للتسجيل اضغط هـنـا

 

 

.:: الوصول السريع لأقسام الموقع ::.
الرئيسية نقاشات موسوعة المرأه القصص والروايات مركز التحميل
معرض الصور الرياضة مكتبة البرامج التوبيكات الجوال
الألعاب الإلكترونية إسلامي سر سعادتي

العاب الفلاش 

رحلة وترحال المسجد النبوي الشريف

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز المشرفة المميزه
قريبا توحيد آذان 4 صلوات في وقت واحد بمكة المكرمة والمدينة المنورة
بقلم : سعودعبدالغني
قريبا قريبا
تابعونا عبر تويتر

 
العودة   منتديات أحباب طيبة > الثقافة العامة والأدب Forum general culture an > منتدى الثقافة العامة والأدب Forum general cult > أخبار ومتابعات أدبية وثقافية
التعليمات قائمة الأعضاء التقويم مواضيع لا ردود لها اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-15-2016, 01:57 PM   رقم المشاركة : 1
سعودعبدالغني
مؤسس ومدير عام المنتدى
 
الصورة الرمزية سعودعبدالغني









معلومات إضافية
  النقاط : 83
  المستوى : سعودعبدالغني تم تعطيل التقييم
  الجنس :
  عدد الزيارات : 33112655
  الحالة : سعودعبدالغني غير متواجد حالياً
 
 

معلومات العضو


مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي
جنسيتي
!..My SmS ..!
 

هذا المُنتدى للجَمِيع فشرفونا بتواجدكم


 

افتراضي مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 7


النص الرحلي
في
كتاب: (من نفحات الحرم)
لعلي الطنطاوي
( تجلياته وجمالياته )



v توطئـة:
لم تحتل شخصية دينية عالمة مكانة في ذاكرة الناس وقرباً من نفوسهم وألفة معهم، كما كانت شخصية الشيخ على الطنطاوي، الذي مرَّ على ولادته قرن من الزمن-تقريباً-حتى الآن.
شخصية عفوية تُؤلف وتألف، فيها بداهة الطالع وقوة الحضور، يعي الناس برنامجه الشهير «على مائدة الإفطار» الذي قدمه التلفزيون السعودي خلال سنوات طويلة في شهر رمضان، وقد أسس ذلك البرنامج علاقة حميمة بين الشيخ وبين المشاهدين، وعقدوا معه عهداً ذهنياً ووجدانياً وزمنياً، فكأنه من طقوس الشهر الكريم. وعندما توقف البرنامج لم تفلح كل محاولات استنساخه أو تقليده، وإن اتخذت ذات التوقيت، وحاولت مقاربة نفس الموضوعات التي كان يطرحها.
كان الشيخ بتأسيسه المعرفي ووعيه الديني، وبمباشرته وطلاقته قد استأثر باهتمام الناس. يحدثهم كأنه بينهم. لا يتكلف الابتسامة التي لم يُشاهد بدونها، ولا المُلح والطُّرف التي يمررها بين ثنايا حديثه، ولم يكن ثمة حدود مصطنعة بينه وبين مشاهديه.
وعبر المشافهة والتلقي المباشر كان حضور الطنطاوي في ذاكرة المشاهد والمستمع. وبكل ما ينطوي عليه نسق المشافهة من مواصفات؛ كان تلقي الناس لهيئته وحديثه وموضوعاته من خلال التلفزيون منفذاً يصله بهم.
أما مؤلفاته وكتاباته التي تتخذ نسقاً آخر في إنتاجها: الكتابة، وتلقيها: القراءة. فلم تكن تعني سوى فئة من المتلقين والباحثين.
على أن حضور الشيخ كان أوسع من كاتب أو مؤلف أو مفكر، يتلقى الناس أطروحاته، ليغدو شخصية شعبية عامة في مستوى ما. تحتل حضورها الرمزي والقيمي في ذاكرة الناس، ممن لا تعنيهم القراءة أو لا يحسنونها، وربما كانت تلك الشعبية؛ مرحلة تؤسس لحضور الشيخ في ذاكرة الناس وإلفهم له.
v تمهيد:
الكتاب الذي نروم الوقوف على بعض نصوصه فيما يتعلق برحلته إلى المدينة- أو ما يمكن تصنيفه ضمن «أدب الرحلة » وهو قصد واضح بانتسابها إلى حقل السرد، باعتبارها كتابة أدبية تتوافر على مكونات سردية وآليات فنية تسمح للتصنيف أن يأخذ مشروعيته في خانة أدب الرحلة -هو كتاب «من نفحات الحرم» الذي لم يصنفه مؤلفه أو يعرف بهويته الأدبية، وقد استهل الصفحة الأولى بالدعاء الديني التقليدي وديباجات الخطب، وضمنه ما يشي بمعنى الإهداء نصَّ عليه بقوله: «اللهم إني أسألك أن تنفع به وأن تثيبني عليه» والضمير في: (به، وعليه) يرجع إلى الكتاب، وإن لم ينص على ذلك كذلك. وفي الصفحة التالية بدأ بمقال بعنوان: «الصلات الروحية بين سوريه والمملكة العربية السعودية»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])، تضمَّن قصة واقعية دوَّنها وعرض فيها شأن أحد أصدقائه، الذي كان شيوعياً خبيثاً، وصحبهم إلى مكة فكان أكثرهم صلاة وطوافاً واستغراقاً في العبادة([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وسنحاول تحديد المقالات التي تطرق فيها إلى المدينة المنورة في هذا الكتاب، وبيان تاريخ كتابتها أو نشرها قبل صدور الكتاب وفقاً لهذا الجدول:
التسلسل
عنــوان المقــالـــة
تاريــــــخ النشـــــــر
الصفحة
1
وقفةٌ في العقيق
1935م.
27
2
في البقيع
1935م.
38
3
من المدينة إلى مكة
من مذكراته سنة 1935م(لم تنشر).
43
4
إلى أرض النبوة
1940م.
75
5
في طريق المدينة، في جوف حمار
1935م.
108
6
على باب السلام
كتبت في البادية سنة 1935م.
117
7
المدينة
لم تنشر ولم تذع من قبل.
124
وهذه هي المقالات التي عُني بها الكاتب بالمدينة المنورة، وقدم من خلالها وقائع رحلته إليها ورصد تفاصيل مقامه فيها، تتداخل بحسب مكانها في الكتاب مع نصوص أخرى بحسب نص الرحلة، كإطار موضوعي عام، وليس بحسب تواليها الزمني أو نموها الخطي. مستنداً إلى الإشارة الدلالية لعنوان الكتاب: «من نفحات الحرم»، فهي نفحات بصيغة جمع منكَّرة، تتيح له الانتقالات التي يريدها، والانتقاءات التي يحرص على إثباتها وتوثيقها، من خلال انتخابه لها لتشكل بمجملها مادة لما سمَّاه: نفحات، «جمع نفحة، والنفحة: دفعة الريح طيبة كانت أو خبيثة، وله نفحة طيبة ونفحة خبيثة ونفحت الريح: هَبَّتْ، وفي الحديث إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها، وفي حديث آخر: تعرضوا لنفحات رحمة الله»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وهنا، تعلو دلالة الكلمة في صيغتها الجمعية، على دلالتها مفردة في سمو المعنى ورفعته، وغالباً ما تكون دلالتها في السياق إشارة إلى المعنى الرفيع ويعاضد هذا المعنى في عنوان الكتاب قداسة مصدرها: «الحرم». وفي ظلال هذا المعنى لكلمة: «نفحات» في صيغتها الجمعية، وفي التصريح بمنبع هبوبها ومصدرها «الحرم»؛ ما يؤكد دلالتها التي أرادها المؤلف.
وفي سبر المحتوى النوعي لمقالات هذا الكتاب، لا يستقيم لنا بوضوح مباشر النسق الصنفي لهذه الكتابة بالرغم من إشارة المؤلف إليه في المقال الأول في الكتاب، دون أن يصرح بأن ذلك المقال مقدمة، ولكنه يمثل الناظم الموضوعي لتلك المقالات، ونسقها الصنفي بشكل ضمني، إذ يعرض لتجليات الصلات الروحية بين السعودية وسوريه، يقول: «فماذا أكتب عن المملكة التي فيها (الحجاز)منزل الوحي ومبعث الدين..؟...وهل في أماني المسلم أكبر من أن يرى تلك المشاهد ويقف بتلك الأعتاب؟.. ويرحل المرء إلى آفاق الأرض للتجارة والعلم والسياحة فلا يعلق به وصف رحلة..» ([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
فألفاظ الارتحال ومجالها الدلالي في لفظتي: (يرحل، رحلة) تحقق قدراً من موضوعية التصنيف لهذه الكتابة، بوصفها نصاً رحلياً، وفق تعريف دارسي الرحلة لها بأنها: «النوع الأدبي الذي يفسح المجال أمام ترسيخ تقليد الموازنة بين فضائين وقيمتين وصورتين، حتى في الحالات التي تقتصر فيها الرحلة على مجرد الوصف للعالم الجديد؛ لأن هذا الوصف يخضع -عن وعي أولا وعي- لمنظور وثقافة الواصف الذي يعمل على تحويل لغوي مفهومي للمنظورات »([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ونجد التعريف يطَّابق مع السياق الذي اتخذه الكاتب لوصف وتسجيل مشاهداته، ونزَّل- في غير موضع من المواضع التي سنعرض لها-منظوره ورؤيته الثقافية على ما شاهده ومرَّ به. دون أن يتنازل عن شرط التوثيق الأمين في الرصد والتسجيل ومقاربة المراحل والانتقالات بالتدوين والكتابة. ولن نجازف في افتعال التصنيف، أو نعتسف مقاربته على ضوء هذا التعريف؛ فالمجال الموضوعي كما يتمثل في هذه النصوص أشد ما يكون قرباً من مذكرات الزائر للأماكن المقدسة، ومنها المدينة المنورة.
«والرحلة في عمقها هي مذكرات ويوميات يدونها الرحالة حول رحلة فاح بها الواقع، وتكون ذات أسلوب متقاطع ومندمج مع أساليب اليوميات والمذكرات والاعترافات »([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]) ، وهكذا كان صنيع الطنطاوي.
وهذه الدراسة ليست تقليباً للنظرية على عتبات الاحتمال، بل لأن منظورها في قراءة وكشف المستويات النصية ودلالاتها في هذه المقالات، يعتمد الإقرار بأنها نصوص رحلية، وفقاً لما أقره النقاد من سياقات تطبيقية أو تفسيرية لها، وبحسب ما اعتمدوه من أدوات منهجية وإجرائية لقراءة هذا النوع من النصوص الأدبية. وسنعرض لها وفقاً لترتيبها في الجدول السابق، ونحاول استجلاء بعض مضامينها النصية ودلالاتها الجمالية:
v وقفة في العقيق:
كان ذلك أول مقال عن المدينة المنورة، لأن الكتاب بلا مقدمة. بل مجموعة مقالات نشرت في أوقات مختلفة وأعاد نشرها في هذا الكتاب للوحدة الموضوعية التي تجمع بينها، ولانسحاب مفهوم النص الرحلي عليها، وإن بلا ناظم زمني متراتب أو مسيرة خطية دقيقة فهي كوحدات نصية(مقالية) متعددة ومختلفة المضمون لا النسق الكتابي الشكلي تضم أزمنة وأمكنة وموضوعات عدة، فثمة الشام ومكة وتبوك والعلا والقريات والمدينة، وموضوعات أخرى. وما يتعلق بالمدينة، موضوع قراءتنا هذه غير متناظم في الكتاب، بحسب إحداثياته الجغرافية، بل منتخبٌ وفقاً لأزمنة سابقة كُتب أو نُشر أو أُذيع فيها، ثم اختاره المؤلف وضمَّنه هذا الكتاب.
ومباشرة الطنطاوي للأمكنة المدينية، ووقوفه بها لم يتوقف عند تحرير السيرة، أو تدوين مجريات الرحلة وتفصيلاتها فقط. بل يتواشج بالذخيرة المعرفية التي يمتلكها عن هذه الأماكن، يقول: «..وهل يملك الناس نفوسهم، فيقعدون لا يخرجون إلى العقيق، وقد سال العقيق ؟ وهل يذكر عربي العقيق ثم لا يذكر الحب والشعر، والفن والجمال، والحياة الناعمة، والعيش الرغيد؟ أو لم يكن وادي العقيق رمز الهوى والشباب، ومغنى الغنى والغناء ومثابة الفن والأدب، ومجمع العشاق. ونديم الشعراء ؟... ألم يولد على جنبات العقيق ديوان كامل من أبدع دواوين الأدب وأحلاها ؟ ألم تعش على أطراف العقيق العشرات من القصور الفخمة، والرياض النضرة التي فاض منها الشعر والسحر والعطر على الدنيا كلها ؟ أليس لاسم العقيق حلاوة؟ أما عليه طلاوة؟، ألا يحلو في الأذن تكراره، ويلذ اللسان ترداده ؟ ألم يقرأ أحاديث العقيق، ويرو أشعار العقيق من لم ير قط العقيق فيهوى العقيق ويحن إلى العقيق»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وهذه المساحة من التساؤلات تنمُّ عن وجدان كلفٌ بالمكان، خبر سيرته وأدرك أهميته بكافة تجلياتها وصاغ من إدراكه لها ما يحقق للمكان قيمته. و يعبر عنها بما يشبه المنولوج من خلال هذه الاسترجاعات، وكأنه يقرر في تساؤلاته المكانة التي توافر عليها العقيق، فراح يذكِّر القارئ بها، ويحقق حضورها في النص ويجعلها مدعاة تبرر خروج الناس للعقيق، ثم شرع في سرد مسيره في العقيق ولحظات إقامته بين جنباته فقال: «وسرنا في هذا الطريق نحواً من كيلين اثنين، فانتهينا إلى بئر عروة التي حفرها الإمام الزاهد العلم عروة بن الزبير. فكانت في قصره العظيم الذي اندثر، ولم يبق له من أثر، وهي أعذب بئر في المدينة وأطيبها.
إلى جانب البئر قهوة جديدة. قامت على جذوع النخل، فجلسنا على كراسيّ مستطيلة وتتخذ في (مقاهي) الحجاز مجلساً وسريراً تطل على الوادي العظيم، والوادي رغيب، بين عدوتيه أكثر من مائة متر وعلى العدوة الأخرى جبال حمراء جميلة المنظر، وقد غني الوادي وامتلأ،و كان السيل دفاعاً تلتهم أواذيه، وتصطخب أمواجه، يرمي بالزبد، ويطفح بالفقاقيع، ويجري متكسراً وله خرخرة، وله دردرة، وعلى جانب الماء حصباء واسعة. قد جلس فيها المدنيون حلقاً حول «سماورات» الشاي البراقة العالية يغنون ويطربون. ما سمحت لهم «الحكومة» أن يغنوا ويطربوا »([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
في هذا الجزء من النص يلج الكاتب في تفصيلات إقامته في الوادي، موضحاً بالقياسات التقريبية مساحة العقيق و مكوناته، ومنها بئر عروة، واصفاً ماءها. مطعماً وصفه بالمعلومات التاريخية ومحدداً نطاقات المكان وموجوداته، وهو ما يشير إلى بعض ملامح يوميات أهل المدينة والعقيق، وكان من حسن حظه أن تكون موافاته للعقيق أثناء جريان سيله، ومن ثم شدَّ انتباهه مظهر السيل وحركته بين ضفتي الوادي مشيراً إلى مظهر ثقافي وهو الغناء والطرب. ولكي يكون لوصف الرحالة مصداقية دقيقة فهو يشير إلى أن ممارسة الغناء في العقيق، مشروطة «بسماح الحكومة».
وهو هنا يرصد جانباً من جوانب التقاليد والاعتبارات الاجتماعية والثقافية في العقيق/المدينة، إبان رحلته. وإن بتلك الصورة المختصرة التي لا تتجاوز الجلوس في المقاهي، وشرب الشاي، والغناء. مقتصراً في لغة الوصف وتدوين لحظات الاسترجاع على ما يوفِّي نسق التسجيل الكتابي حقه من الحضور، دونما مبالغة أو مزيد شرح واستطراد أو التداخل في إبداء رأيه وموقفه مما شاهده.
وفي المقطع التالي، يأخذ بطرف آخر من أطراف حديثه عن العقيق.. هو طرف التأمل والاستذكار واسترجاع محفوظ الذاكرة وهو يرقب حركة رفاقه في العقيق، ويحاول الربط ما بين المشاهد الحركية أمامه، وبين ما تستودعه خواطرهم وخاطره من ذكريات فيقول:
«جلس إخواننا يتجاذبون أطراف الحديث. فيذكرون بلادهم وأوطانهم ويحنون إلى الغوطة الغناء والعين الخضراء، والزبداني وبلودان، وتلك الجنان، وجلست أحدق في ماء العقيق، وأحن إلى أيامه الغر وماضيه الفخم وأفكر في حاضره الممضّ، وواديه القاحل. فأطيل التحديق حتى أذهل عن نفسي، وأنسى مكاني. فأرى صفحة الماء تضطرب وتهتز وتختلط فيها الأنوار، وتمتزج فيها الأضواء. كأنما هي سبيكة ذهب، أو قطعة ياقوت. أُلقي عليها نور وهاج.
ثم أراها قد استقرت وسكنت فإذا العقيق غير العقيق وإذا هو غارق في العطر والنور. وإذا من حوله العشرات من القصور. تضيء كأنها الثريا في السماء، فتنعكس أنوارها في الماء فتتوارى النجوم استحياء، وتغض العين خجلاً. ثم تستتر ببراقع الغمام وتبكي، فيضحك العقيق لبكاء السماء، وتضحك الأرض لضحك العقيق.!» ([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
استدعى جلوس رفاق الكاتب في العقيق ؛ استذكار موطنهم بحسب ما نصَّ عليه. أما هو فطفق يتأمل ماء العقيق، ويحنُّ إلى ماضيه، ويمزج بين ما يراه وما يفيض به خياله من تصورات. وهنا يفتح هذا المخيال على مجاله الأوسع، وينتقل من مستوى الحضور الفعلي في المكان. إلى النسيان: «أنسى مكاني» مفسحاً المجال لفاعلية الخيال الجمالي فالنسيان غياب لاإرادي عن المشاهد المباشرة وانتقال إلى فضاء الذاكرة من خلال الومضة الخاطفة التي تختزل في دالي: «أنسى...فأرى» وبدلالة الاستئناف في الـ(فاء) المعبر تجاه فضاء المتخيل، والتصورات القارة في ذاكرته الثقافية عن العقيق (السماء تبكي، والعقيق يضحك لبكائها، والأرض تضحك لضحك العقيق)؛ فهذه السلسلة من الدوال الفعلية في المقطع السابق، التي تنتهي بالضحك كرامز لتجلي المسرات وحالة الرضا والانتشاء في هذا النسيج من القيم الأسلوبية، تشبيهات واستعارات ومجازات تتضافر لإقامة الكينونة الجمالية للعقيق، يشيِّد فيه الكاتب صورة خيالية مستدعاة، تنسج في آفاق المتخيل ويغذيها الخزين الثقافي والمعرفي في ذاكرته عن المكان، لتعادل «حاضره الممض وواديه القاحل» متخيلٌ ينزل الكاتب صوره على الوادي وأجزائه، يستدعي لها من التعبيرات والدوال ما يرتقي بها على ذلك الحاضر، يقول: «وأرى قصر عروة العظيم. قد سطعت في شرفاته الأنوار، وحفت به الشعراء والمغنون ينتظــرون نزيله الجليل »([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
فهذا هو المعادل الخيالي الذي تستدعيه ذاكرة الكاتب من السيرة الثقافية للمكان، تعيد إضاءة الوعي الحاضر به. مثلما تعيد إرواء حاضر الوادي القاحل بوهج ماضيه المزدهر، ويستسلم الكاتب لسطوة الذاكرة ويتيح لها مجالاً للانسياب والتكون، ويمضي في استعادة القصص والأخبار والأشعار حول عروة وقصره ومطارحات الشعراء فيه.
يتقاطع في حديثه نسيج صلات الصياغة الكتابية بين هذه القصص والأشعار، والتأليف بين أجزائها لتكوَّن ما يريد تسجيله والاعتراف به من خلال نصه الرحلي «باعتباره سرداً ووصفاً يعمدان إلى صياغات مشاهد رؤيوية أو مروية أو حلمية تنحدر من ذاكرة – في بعض الحالات – ذوات جذور في الواقع المادي»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وواقع العقيق بالمدينة، ينهض بما يسند هذه الرؤية من المحتوى السردي والثقافي الذي يمكِّن الكاتب من ربط خطوط حلمه المتخيل بميراث المكان وسيرته. من خلال استحضار شخصيات تراثية يستصحب الكاتب آثارها النصية ووقائع ارتباطها بالمكان، ليقيم النص ويحرر تفصيلات المشاهدة.
وهذا الانسياق وراء الذاكرة لاستعادة مخزونها الثقافي عن هذا المكان، وقد استغرق خمس صفحات نشر فيها وقائع وأخباراً وأشعاراً عن العقيق لم يكن -كما أسلفنا - إلا التصورات الثقافية التي يمكِّن لحضورها في النص؛ مما يغنيه ويسد فراغات الحاضر؛ تتحول باستمرار فيستدعي مصاحبات مشابهة أخرى تؤصل حضارية المكان وتقدمها للقارئ، يقول: «ويتبدل المنظر فأرى العقيق قد ازدحم بالناس حتى كأنه المحشر، وانتقلت إليه المدينة حتى لم يبق فيها كهل ولا غلام. ذلك أن خبراً سرى في المدينة، سريان الأمل في النفوس اليائسة. فترك الناس ما هم فيه وأقبلوا على قصر سعيد. يسمعون منه ما لم يسمعوا. وإذا ابن عائشة وهو أضن خلق الله بالغناء... »إلخ([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ويقول:«....ثم أرى فتياناً من فتيان المدينة فيهم يونس الكاتب وجماعة ممن يغني. قد خرجوا إلى وادي يقال له رومه. من بطن العقيق، فغنوا. فأثار غناؤهم أهل الوادي»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
والرؤيتان المتواليتان لا تركنان إلى تحقيق معنى المشاهدة الصرفة. فهما مستوى من مستويات الرؤية الثقافية واستدعاء مفاعيلهما التي تزخر بها سيرة العقيق، ويوظف الكاتب فاعليتها السيرية الثقافية بما يكشف سيرة المكان وإرثه الثقافي. فهو شديد الحرص على ما يحقق كيان الرحلة النصي ويعقد الصلات بين الأنا والآخر. وسيرة الأنا وما يسندها من سيرة الغير، وتقتضيه لحظات الاستعادة. إذ «الرحلة تشكيل لنص ذاتي/شخصي بخصوص الأنا والآخر. يتبنين متكيفاً في شكل معين للتعبير عن رؤية معينة انطلاقاً من خطاب مفصح عنه في البداية، أو مضمر في تضاعيف السرد والوصف والتعليقات»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ومن هنا كانت الرؤية التي أراد الكاتب التعبير عنها، هي تلك التي تفارق مقتضيات المجال الدلالي المباشر للفعل «أرى» في المقطعين السابقين من المشاهدة الواقعية. إلى تحرير رؤية ثقافية أوسع بمعنى التصور المؤسس على دراية معرفية بتاريخ المكان وثقافته واستدعاء لماضيه. والخطاب الذي يتشكل من خلالها هو مضمون النص الرحلي بحسب ما يتعالق معه من مشاهدة مباشرة ووصف واضح، وإسنادها بما ينسجم مع موضوعها؛ خبرات ومرجعيات ثقافية متنوعة وطاقات خيالية وجمالية قارة في وعي الكاتب.
وتنامي النص الذي أولاه الكاتب هذه العناية، ومكَّن له بين تضاعيف السرد ما يكمل أجزاء الصورة ويصلها بفاعلية التلقي يعود إلى نقطة انطلاقته الأولى ويتجلى في واقع المكان كما انتهى إليه الكاتب في المقطع الأول من مشاهده الحقيقية:
«... واضطربت الصورة وتضاءلت ثم توارت واختفت، وإذا صفحة الماء بيضاء ليس فيها صورة، وإذا الفن والمجد، والعطر والنور وإذا الدور والقصور، والأنس والحبور كل أولئك قد غطى عليه الفناء وابتلعه السيل الدفاع، ثم عاد يجري بين الاكام الجرداء، وله خرخرة ودردرة... وإذا كل ما بقي من هذه الدنيا الواسعة، قهوة قامت على جذوع النخل، وبئر نصبت عليها سانية، وجماعة قد تحلقوا يشربون الشاي، ويطربون وما بهم لو حققت من طرب، وإذا قصر سعيد أنقاض ماثلة، وإذا سائر القصور تلال من الرمل الأحمر...
وإذا المجد والجلالة والجاه كما يطرس السطور البنان»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
فهذا التحول في رسم نهاية الصورة، من الاضطراب إلى التضاؤل ثم التواري والاختفاء تحقيقاً لمآلها إلى فناء وأنقاض الذي جعله خاتمة لهذه المقالة، يفصح عن حقيقة الرؤية ويعبر عن مصداقيتها في رسم مكونات المكان. وقد حققت الرؤية المشاهدة دلالة خيالية مفارقة للصورة الأولى، وطغت على عناصرها وألوانها.
والنقاط الثلاث التي شكَّلت علامة رقمية في الفضاء البصري للنص، ووضعها في بداية المقطع وختمه بها قبل البيت الشعري تدلُّ على المغايرة الجليَّة بين الصورتين: المخيلة الجمالية النابضة بمكنون السيرة الثقافية للعقيق، ووقائعها الأخرى الماثلة أمام الكاتب، وفق التفصيلات التي بدأ بها النص، من منظر الناس في المقهى يشربون الشاي والسيل الدفاع..إلخ، وختم بها هذا الجزء منه.
ونجد أن الربط الصياغي بين الصورتين على صعيد تشكلهما الصوري وصياغتهما النصية؛ يحقق للنص الرحلي واقعيته وقصديته الدلالية، فهو في سياق الرحلة التي تقتضي وصفاً وإن تحلَّى بأجزاء من وثائق نصيه أخباراً وقصصاً وأشعاراً، فهو في النهاية ينحو إلى توثيق لمجريات السير وتفاصيل الترحال، وينتهي إلى تدوين وقائع الرحلة ومجرياتها.
وقد وافينا مدى ما ضخته الذاكرة العارفة بسيرة المكان في النص من قصص ونصوص واسترجاعات تراثية متعددة تعكس حضاريته وكينونته الثقافية فهو مكان ثقافي، ما إن يروم المدون/الرحالة تسجيل مشاهداته فيه حتى تندُّ لوعيه سيرته القديمة، وما حفل به حضور ثقافي، وازدهار عمراني.
والطنطاوي وإن كان يسجل وقائع رحلية مرتهنة لسياقها الزمني التفصيلي والواقعي. فهي بالضرورة تقتضي إسناداتها الثقافية والجمالية من المرويات والمدونات التي تجلي أدبية النص، وتحقق هويته الأدبية.
ولذلك جاءت مدونته الرحلية عن العقيق مراوحة بين الواقع المشاهد وصفاً وتفصيلاً، وبين التوصيف الجمالي ومغذياته من الوقائع والقصص والأشعار. والمتخيل الذي يعبر عنه بما يحقق نصية محتواه، وامتلاء شعوره به، من خلال الصيغ البصرية الحسيِّة: «أرى صفحة الماء../ أرى قصر عروة العظيم../ أرى فيه حركة وازدحاماً../ وأرى العقيق قد ازدحم بالناس../وأرى عروة وقد أقبل من سفره../وأدخل القصر..» ومن ثم فإن هذه المواقف تتنامى نصياً بما يؤول بها إلى التحول والمغايرة والتبدل: «..ويتبدل المنظر../ فإذا أنا أرى قصر سعيد بن العاص.. ويتبدل المنظر فأرى العقيق قد ازدحم بالناس..».
فالرؤية البصرية معبر إلى نطاق المتخيل المستعاد، الذي لم يكن محض خيالات يولدها الحنين، بل وقائع حقيقية ومشاهد تجلت في أكناف الوادي ذات يوم، واستعادة الكاتب لها تتأتى من رغبته في تمكين المتلقي من إدراك العقيق وفق سياقه التاريخي والحضاري، وإقامة تصور متكامل عن مكان يختتم الكاتب حديثه عنه بما يشبه رثاء حاله، والحسرة على فناء معالمه وأفولها. وقد حققت الدوال اللغوية، والتقنية الأسلوبية للمقالة الرحلية، ترابطاً نصياً يجسد دلالاتها الموضوعية والجمالية بما يحقق الهدف الذي أراده الكاتب.
v البقيع:
وهو من المشاهدات التي وثقها النص الرحلي للطنطاوي، وجاء تالياً لحديثه عن العقيق، وموصولاً بالأسطر الأخيرة التي نص فيها على حال العقيق وفناؤه، وكأنه يصل مشهد فناء معالم المكان/العقيق، بمشهد فناء الإنسان/البقيع.
وتوثيقه لمشاهداته في البقيع، يأخذ مساقاً في الصياغة الأدبية المحكمة، والتكوين الأسلوبي الذي يتجلى مستوى بيانياً واضحاً، وهو يصف تفصيلات جزء من الرحلة أمام مشهد الموت، بمسحة فيها رائحة الموت وجلاله يقول: «خرجنا إليه في صفرة الطَّفل وقد سكرت الريح، وسجا المساء، وكان اليوم روحاً. فما تجاوزنا أزقة المدينة الضيقة الملتوية، وبدا لنا سور البقيع الهائل، الذي أقاموه في وجه مدينة الموت كيلا تبتلع مدينة الحياة حتى هبت الرياح لواقح، فأنشأت سحاباً ما لبث أن اكفهر وتطخطخ وعم السماء، فأظلمت الأرض، واسودت وعادت كئيبة تملأ النفس غماً، وكنا قد بلغنا البقيع فرأيته موحشاً مظلماً رهيباً «قاتم الأعماق خاوي المخترق»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
فبهذه المقدمة يدنو الكاتب من مشهد الموت في البقيع وبهذه الرهبة التي يصف لحظاتها، وفي نهايتها يستأثر برد ضمير الخطاب إلى نفسه دون رفاقه: «فرأيته..»، فيما كانت المشاهد السابقة بصيغة جماعية: «خرجنا، بدا لنا، وكنا بلغنا»، وقد زامنت فترة الليل وهبوب الرياح.. وظلمة الأرض، واسوداد السماء. وهي المشاهد الكونية التي تعزز من الشعور بالفزع الذي وافاه تلك اللحظة، وهو يصف منظر البقيع والطرق المؤدية إليه، فأخذ يترصد تموجاتها واضطراباتها في نفسه، مازجاً إياها بإيقاع الحركة الكونية في الأرض والسماء، متناهياً إلى حالة شعور باستلاب الحياة في أفق الموت وأحيزته وشواهده المتعينة بما يشبه الوجل إزاء حقائق الوجود والمصير والفناء، وقد وافاها في البقيع، يقول:
«وشممت رائحة الموت. فتهيبت دخوله في هذه الأمسية، وأزمعت العودة، ولكن صاحبي أصر عليّ وشجعني، ثم أخذ بيدي، فإذا أنا وراء السور وإذا ساحة فسيحة ممتدة الجوانب، مظلمة الأرجاء، ساكنة سكون الموت، ليس فيها بناء ولا قبة ولا تابوت، كأنما لم يسمح لبشر أن ينصب في حرم الموت معالم الحياة. أو يدنس دار البقاء، بشارات الفناء. فأغمضت عيني. شددت على ذراع صاحبي. وجعلت أدنو منه لما أجد من الوحشة وأحس من الجزع. وما عهدتني من قبل أعرف الخوف أو أدري ما الجزع»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ونلحظ أن الوصف المشهدي هنا يعطي للمراحل حقها من السرد النصي، واستيعاب مسارب الشعور الذي يزامن تلك المراحل.
وبذلك يفارق الطنطاوي جُلَّ الرحالة الذين يباشرون الوصف المادي لأعيان البقيع، ويذكرون مأثوراته السيرية؛ من فضله، وعدد من دفن به، وحدوده وموقعه من الحرم.
فالمشاهد أمامه تلقي بثقلها عليه ووطـأتها في نفسه، ومن ثم تتيح لنفسه السردي وحسه الفني تلوين النص بما يعبر عن ذلك، ويوحي بالمشاعر المضطربة أمام رهبة مشهد الموت، وكأن ثمة تحريكاً لوعي الكاتب واستدعاءً لمناجاته الذاتية وفيوض خاطره، تنساب بما يتماس بالقص وتوتراته وانتظام سياقه النصي، دون أن يفقد مسار واقعيته كتسجيل لإحدى محطات الرحلة ومواقفها، يقول: «فسار بي يقودني حتى هبط بي غوراً عميقاً. حال بيني وبين الفضاء وحجب عني السور الذي كنت أراه فآنس برؤيته، وأذكر أنها لاتزال وراءه دنيا حافلة بالنور والجمال والحياة.. فلم أعد أرى شيئاً، ومحت من خيالي كل صورة، وطارت من رأسي كل فكرة، إلا فكرة الفناء، وصورة الموت، وأحسست وأنا أهبطه أني هابط إلى قبر، وخيل إليَّ أن أشباح الموتى ترقص من حولي، وتدنو مني وتمسني وتهم بعناقي ، فتقف كل شعرة في جسمي ويزداد قلبي خفقاناً، وتتخاذل ركبتاي حتى أهم بالسقوط، ويطن في أذني صوت رهيب مستطيل يلقي في روعي أنه نشيد الفناء، وكان كل ما يحف بي مخيفاً رائعاً.
فالقبور والظلام الشامل، والسكون العميق، والسماء لا تطرف فيها من النجم عين، والمكان الذي لا تبلغه من نسمات الحياة، وجلال الموت.. كل أولئك كان يخيفني ويصب في قلبي الوحشة والفزع... ثم صاحت بومة على صفحة المقبرة... فاستمسكت بصاحبي وقلت: عد ويحك !..» ([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
فهذا التوصيف الدقيق للحظات الرهبة والوجل وفوران الشعور واحتداماته، يسوقه الكاتب بين لحظة الولوج في البقيع وبعد ولوجه، وراء السور الفاصل بين مكان الحياة الذي «يأنس برؤيته-ومكان الموت-» لأنه يشير إلى ما وراءه: الحياة، في رصد لتقلبات المشاعر والأفكار، وتحرير لمكامن استشعار رهبة وجلال الموت، لدرجة يفزع فيها وهو يغالب الشعور بتوحده مع الموتى، ودنوه من عالم الفناء، في صياغة تحفل دوالها اللغوية بكل ما يعمق من هذا الشعور، وينقل للقارئ تدافع لحظاته ورهبتها: «الموت، مظلما، رهيبا، الفناء، الوحشة، الخوف، الجزع، قبر، قبور، الموتى، السقوط، القبر، المقبرة، الظلام، السكون».
وهذه الدوال المنتمية لحقل الموت في مشهده الواقعي، ومحفله المكاني يجعل إزاءها دوالاً في ذات الجزء من النص تعبر عن الحياة، وتبث دلالاتها في نسيجه في صيغ متعددة: «مدينة الحياة، معالم الحياة، النور، الجمال، الحياة، نسمات الحياة» وهذا هو منطق المواجهة الفعلي الذي يرسخ في وجدان الكاتب وهو يصوغ مشاهداته بهذه اللغة المعبرة عن تلك اللحظات الرهيبة، منطق الإنسان/الحي، وهو يقف على معالم الموت الأصدق والأجلى. ونلحظ أن صيغ دوال الحياة تتشكل في وارد المقارنة بين الشعور الكامن في الإنسان /الحي، وبين معالم الموت الشاخصة أمامه.
ولم نطالع للرحالة الذين وسعهم وصف مشهد البقيع، التداخل مع تفصيلات المشهد بهذه الفلسفة، وهذا المدى من التأمل، ورصد اتجاهات المشاعر واضطرابها أمام البقيع، بهذه الرؤية الجمالية والتحقق النصي الذي تتدافع مشاهده في توالٍ تُحبس معه الأنفاس ما بين الرهبة والدهشة.
ورؤية الكاتب الرحالة الأديب ورجل الدين العالم الطنطاوي تلقي بين يدي مشهد البقيع وفي كنفه هذا الرصيد من المشاعر الحية، والقلقة أمامه. وبعد هذا الجزء من النص يصل الكاتب إلى عرض حوار بينه وبين صاحبه، يتعجب فيها من عجمة القبور، وعدم وضع أسماء أصحابها عليها، ومنها قبور الصحابة الكبار والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين. ثم يوالي ذلك بخطابه للبقيع:
«انتصرت أيها البقيع../أنسيت أيها البقيع أن كل مسلم يحس أنه يملك في هؤلاء ملكاً، وأن الرفات ليس من حقك وحدك../أنسيت أن أضيافك عظماء البشر أفتستحق العظمة هذا الإهمال الشائن../لابأس أيها البقيع.. فإن البطل الحق هو الذي لا يعرفه أحد»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
لقد أراد الكاتب من خلال الإفضاء للبقيع بهذه التساؤلات؛ بعث القيمة التاريخية للمكان/البقيع، وتحقيق ركائزها وإجلائها وفقاً لوعيه بذلك التاريخ، واستناداً إلى موقفه المعرفي، وقد هاله اطراح تلك القيمة في مهب العجمة المعرفية-في أبسط مظاهرها-التي آل إليها المكان، كما أراد من اجتراح الأسئلة -بتلك الصيغة التي يشخص فيه البقيع ويخاطبه-طرح موقفه الديني والثقافي من طريقة التعامل مع البقيع وأصحابه. وأراد أن يواري بذلك خطاباً مباشراً إلى من يملكون أمره. كما أنه في معرض تسجيل مرحلة من مراحل رحلته. ليس بوسعه إلا أن يتخذ هذا الأسلوب ليعبر عن رؤيته وموقفه دونما تصريح مباشر بها.
وهو إذ يحيل إلى الماضي في مساءلة البقيع، ويستل من سيرته ما ينهض بوجاهة هذه الأسئلة ومبرراتها في وجدان مفكر مسلم؛ فلأن «الماضي يحيل على فضاءات حافلة بمؤشرات لاسترجاعه، حتى يكتمل بها الحاضر، ويعتمد الراوي– الرحالة – على مصدرين في بناء هذا النوع من الأخبار التاريخية: المؤلفات التاريخية والسماع المتصل بالأخبار الماضية (التاريخية) فهناك استرجاع للفضاءات والأمكنة بعمرانها، وأيضاً للقادة والحكام وبعض الخصوصيات والأحداث المشهورة»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])، وهو ما عوّل عليه الرحالة الطنطاوي في حديثه عن العقيق والبقيع، وقد وظف تلك الفضاءات عبر آلية الاسترجاع إلى متون نصية، يقيم من خلالها كيان نصه الرحلي ويوثق مشاهداته، ويمازج بينها وبين حمولات خياله الجمالي وطاقاته الفنية، التي تحقق من خلال الصياغة قدراً من وثوقية النص وتشكيلاته الجمالية، وأسلوبيته الموحية.
v من المدينة إلى مكة:
وكان هذا المقال الثالث الذي جاء تالياً لحديثه عن البقيع، وقد حدد توقيته بيوم الأحد، سنة 1935م ولأن بنية المقال لدى الطنطاوي متماسكة متجانسة الأجزاء مؤتلفة العبارات والإحالات والمراحل. فلا يمكن استظهار قيمها الجمالية والدلالية. دون استعراض بعض سطورها ليقف القارئ على فيوض المتعة في هذه المقاطع من النص، ويتدبر مستويات منظومتها المحكمة، يقول: «صلينا المغرب في الحرم وقمنا في الروضة مقاماً نسينا فيه الدنيا وما فيها. ونظرنا إليها كمن يطل عليها من نجم بعيد فيراها كذرة صغيرة نائمة في الفضاء ثم خرجنا من المسجد من باب السلام، نسير في هذه الأسواق المزدحمة بالحجاج، لانتبه إلى شيء فيها، لأننا تركنا قلوبنا في الحرم، حتى جاوزنا الأسواق إلى شارع العنبرية الفسيح، حيث يقيم الأمير، وقد نزلنا أنا والشيخ ياسين الرواف ضيوفاً عليه دون سائر الإخوان. فوجدناه جالساً على الباب.
فودعنا وشيعنا على باب العنبرية وسلكنا على وادي العقيق. فذكرنا العقيق، وأهل العقيق وشربنا من بئر عروة، وكان الليل قد أرخى على الأرض ستائره، فلم نعد نبصر مما حولنا شيئاً، فلم يكن يسمع إلا صوت السيارة وكلمة من أحدنا تشق هذا السكون. ثم تمضي فيعود الليل ساكنا هادئاً، وكان لكل واحد منا شاغل من عواطف نفسه عن الكلام. فقد ودعنا القبر والروضة ومررنا على العقيق، واستقبلنا الصحراء، فهاج في نفوسنا وداع الروضة وذكرى العقيق، وجلال الصحراء، كثيراً من العواطف والذّكر»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
في لحظة وداع المدينة كما يقدمها هذا الجزء من الرحلة/النص؛ عناية بذات المراحل والخطوات، وتفاصيل الحركة والأمكنة والأشخاص، تنشرها الصياغة الوصفية فتأخذ الجمل بأطراف بعضها في تماسك وتوالٍ يتناغم والحركة الفعلية للمسير، تعبر عن المعنى دون إثقاله بمزيد استطراد، وتأتي هذه المنظومة الصياغية للكاتب بحسه الحكائي في تعميق إيحاءات الوداع كما في السطرين الأخيرين والبنية الجمالية والأسلوبية فيهما.
وقد أصبح نص الرحلة «نصاً متعدد الأنظمة، لغة ولهجة وأصواتاً وبكميات متعددة المصادر والرواة وهذا التعدد تحكمه بنية السفر التي تفرز خصائص عديدة ساهمت في تشكيل بناء النص»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]). ونلمس بعض تلك الخصائص عبر الانتقال في مجمل النص السابق، من وصف مراحل المغادرة ومراسمها، وتوثيق تلك المراحل، إلى تصوير مشاعر الرحالة ورفاقه، وتسجيل لحظات الإحساس بالحنين ولوعة الوداع.
ومن العناصر المشكِّلة للدلالة في هذا الجزء من الرحلة، الأمكنة: «الروضة الحرم، باب السلام، شارع العنبرية، باب العنبرية، العقيق، بئر عروة، الصحراء» في أحيزتها على خارطة النص، فهي المتوالية الجغرافية التي مرَّ بهاالكاتب، ويسجل النص مكانها في بنيته. كما أن ثمة الأشخاص: «الكاتب، الشيخ ياسين الرواف، أمير المدينة، الإخوان»، والزمن: «الليل» وهذه العناصر مرتبطة بتشكل النص وسياقه الحركي والوصفي، وهي في النهاية توجز لحظات الخروج من المدينة، وفق المحدد الوصفي للأمكنة كما جاء في سياق النص.
وبما أن الإيجاز والحقيقة والخصوصية وبساطة الأسلوب من أبرز الخصائص والروابط المشتركة التي يفرزها السرد الرحلي([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])، فإن هذه الخصائص تبدو واضحة في أسلوب الطنطاوي السردي، كما في الجزء السابق من النص، فتراكيب الجمل وروابطها، وتسمية الدروب والأشخاص والانتقالات لدية محكومة بأسلوبه السلس البسيط، دون أن يفقد كيمياء الجمال والبيان الواضح المثير.
فالصيغ المجازية وجماليات التعبير لديه تتأتى بشكل عفوي يستقيم والتناظم النصي وتكثف الطابع الأدبي والفني له.
وإذا كان نقاد ومنظرو أدب الرحلة يرون الحركة السردية في النص الرحلي تتضمن طبقتين مختلفتي الأدوات والوتيرة، مرتبطتين بالحركة، وهما: سردية العبور وسردية الوصول، بحيث يحتوي كل نص على سردية العبور إلى الحكاية والفعل والإحداث. أما سردية الوصول فيتكثف السردي فيها مشبعاً بآفاق أخرى([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وفي هذا المستوى يصبح السرد متوازناً ومتضمناً أشكال الوصف، والتعليق، والتأمل، والمقارنة، والتأمل سواء تعلق الأمر بما هو روحي ديني، أو تقريري وتبليغي، أو علمي وأدبي وغيره([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ومن ثم فإن هذه الجزئيات من نصوص السفر للطنطاوي على قصرها، واستيعابها لمراحل ومواقف معينه في رحلته إلى المدينة؛ تتمثل تطبيقات النظرية النقدية، والمقصود بالعبور والوصول هنا. تمثلات النص لدلالة هذين المصطلحين، وليس العبور والوصول الواقعي لمجريات الرحلة فقط.
ففي الجزئية النصية التي استعرضناها آنفاً مكمن الحكاية والفعل والأحداث، فعل الإقامة بالمدينة، ثم في النص ونظام تراتبه ؛العقيق والمكث فيه، والبقيع وولوجه، والمدينة والخروج منها، والأحداث بما تحتويه من الحركة الطبيعية، والحوار مع الآخرين وإمكان بلورة ذلك كله وتقديمه للمتلقي، وهذا المستوى ينطوي على توازن السرد وتقنيات الوصف والتعليق وتعبيرات التأمل.
كما في حديثه عن العقيق والبقيع، وحركات تلك البنى السردية الرحلية وجذورها المرجعية الدينية والأدبية في وعي الكاتب، ومن ثم فنحن إزاء نص تحكمه أطر الكتابة الأدبية، ويوجهه انتماؤه لهذا الحقل من حقول الأدب.
يقول: «ثم لاحت لنا أضواء باهته من جانب الأفق. ثم دنونا منها فإذا هي عشش صغيرة مبنية من سعف النخل. فيها كراسي مستطيلة من القش تتخذ مقاعد للجلوس وسرراً للنوم، وفيها الشاي والقهوة. حتى أنها تسمى (شايخانات) أي مكان للشاي وهي مبثوثة على الطريق بين المدينة ومكة.
فسألنا عن المكان ما اسمه ؟ فقالوا: إنه آبار علي، وهو محل الإحرام»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
عند هذا الحد، المؤقت بيوم الأحد من السنة المشار إليها. يتوقف حديث الكاتب ويشرع في الانتقال إلى أمكنة أخرى في الطريق بين المدينة ومكة.
ولأن هذه «النفحات» من رحلة الطنطاوي، لا يحكمها ضابط تراتبي متسلسل، وإنما هي وقائع موزعة على أمكنة عدة، فإنها تتجلى نصاً رحلياً وفقاً لإحداثيات خاطر الكاتب.. وما يعن للذاكرة من أحداث يسترجعها محولاً إياها إلى نص مكتوب عن رحلته إلى المدينة، محققاً لها عنصر السرد الرحلي وما يتطلبه هذا النوع من الكتابة من تقنيات صياغية وأسلوبية ومضامين قيمية دلالية. دونما ضبط متوالي يرتب مقالات الكتاب وموضوعاته بحسب زمن وقوعها وموضوعها، ولذلك يعود في (ص 108).. إلى تشكيل قصة الطريق إلى المدينة.
v في طريق المدينة، في جوف حمار:
عنون الكاتب هذه المقالة بجملتين: «في طريق المدينة، في جوف حمار»، وجعل ترتيب العنوان وضبطه في فضاء الصفحة بشكل رأسي. الأول أكبر بنطاً من الثاني، معِّولاً على قيمة التشكيل التيبوجرافي للنص وفضائه البصري. بما أن هذا التشكيل «يركز على فضاء النص الإبداعي بما يحويه من أنساق لغوية وأنساق لالغوية، وأنساق بصرية وأنساق لا بصرية، فالتشكيل البصري يعد هدفاً من الأهداف الدلالية للنص»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])، وتراتب العنوان بجملتيه كما نص عليه الكاتب ترفد دلالات النص ؛من خلال تباطن طريق العبور إلى المدينة «جوف حمار» مما يغذي الدلالة ببعد رمزي، يقدمه النص في سياقه كما سنرى في قصة طريق العبور إلى المدينة من شمالها «العلا»، وهي قصة حقيقية وفقاً لتفصيلاتها ووقائعها، ولكن إستراتيجية سردها بدءاً من عتباتها النصية (ثنائية العنوان وهندسة تشكيله) واتخاذ صيغة المروي عنه/ الغائب سياقاً لها، ومحتواها اللغوي والتعبيري ينحو بها إلى مجال الرمزية كأحد القيم الدلالية الرئيسة فيها.
حتى وإن كانت كما أسلفنا واقعية، فذائقة الكاتب الأديب لا تواتيها القدرة العفوية على السرد الواقعي المباشر لتقديم هذا الجزء الواقعي من الرحلة؛ إلا بحسب ما تمليه عليه محركات الفن وجماليات الأسلوب.
ومن ثمَّ فنحن إزاء قصة واقعية بأحداثها وأمكنتها وأشخاصها، وبحبكتها ومآلاتها. فكيف سردها الطنطاوي؟ يقول:
« لفح وجهه نسيم الهواء البارد. فهم بأن يقوم إلى النافذة فيغلقها. ويعود إلى سريره، ثم تخاذل واسترخى ولبث مستلقياً. فسمع أصواتاً غريبة خيل إليه أنها أصوات الوحوش، أو أحاديث الجن فتجمد من الخوف. وحدق فيما حوله. فرأى كأنما هو نائم في أرض الشارع.
وعلى جانبيه أبنية فخمة عالية مربعة ومستديرة، والوحوش تطل عليه من أعاليها، تصرخ صراخاً مرعباً. فاستعاذ بالله من هذا الحلم، وتقلب في فراشه، وألقى بيده على طرف السرير، فأحس كأن قد وخزته إبرة، أو كأن حية لدغته فقفز مذعوراً، وإذا هي الحقيقة لا الحلم، وإذا حيال يده نبت من نبت الصحراء. قصير شائك يقال له القتاد.. كانت تُضرب به الأمثال. وإذا هو في البادية ( في خوْر حمار ) وإذا الرحلة تمتد به ثلاثة عشر يوماً، وهو لا يزال دون (العلا) ولا يزال بينه وبين المدينة جبالاً وصحارى. تسير فيها السيارة أياماً وليالي.... فجلس يذكر ما رأى في هذه الرحلة من ألوان العذاب وأشكال الخوف.. »([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ويعد هذا الموقف الحلمي المعبر عنه بدال الرؤيا: «أرى» وتحقيق كونه حلماً في تصريحه بالاستعاذة من هذا «الحلم» التزاماً بتقاليد ثقافته الدينية، أو تبطينه بالغرائبي لتغذيته بالحس الخيالي، يعد مرحلة من مراحل العبور إلى المدينة، ومن نهاية هذا الجزء من الحلم/القصة يشرع في سرد قصة مقامه وصحبه في المكان المسمى: «خوْر حمار»- محيلاً إلى المعنيين ذاتهما اللذين جعلهما عنواناً لهذا النص- وما مسهم فيه من نصب ومشقه حتى نجو منها، «ولا يمكن لمقاربة الحلم في الرحلة أن يستقيم دون الفهم الدقيق بأنه نص لغوي متحول من اللاشعور، مليء بالألغاز، ينتج معه نصوصاً أخرى استفهامية وتفسيرية. مما يستوجب معه احترام البعد النصي للحلم...انطلاقا من أن النص الرحلي هو مجموع ادراكات منها ادراكات اليقظة المسماة حساً (رؤية)، وادراكات النوم وتُسمى حساً مشتركاً (رؤيا)، وكل الادراكات في علاقتها الزمنية. الماضي والحاضر والمستقبل، تتفاعل فتأتي أهميتها الفنية من كون هذه الادراكات التي هي نسخ الحلم في النص، تعيد صوغ الواقع من خلال رؤيته مرة أخرى بطريقة تعمد إلى تعديله أو تكسيره وخلخلته ودمج تلوينات أخرى مغايرة للنسيج النصي العام»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وهذه الرؤية النظرية تتسع لها الإستراتيجية الفنية التي اعتمدها الكاتب في تبئيره للحلم في بنية النص، إذا ما أردنا أن ننزلها عليه، حيث يحقق الحلم في نصيته هنا دمج ادراكات اليقظة/«الرؤية»، المكان الحقيقي «خور حمار»، وإدراكات النوم «الرؤيا»؛ مما يجعل الموقف الرحلي في هذه المحطة متماساً إلى حد بعيد مع استشعارات التلقي، بذات الحساسية التي يتمثلها الكاتب، وهو ينقل نبضه ويجسد نصياً لحظاته وحمولاتها، ويعيد صوغ الواقعة لتغذية النص بتنويع لغوي وأسلوبي في إطار نسيجه العام، في لحظة حلمية يتقاطع فيها الزمن ماضياً وحاضراً ومستقبلاً مع الغرائبي الخيالي، والواقعي، محققاً أهميتها الفنية بحسب مؤدى المقولة النقدية السابقة، وباعتبار خضوع الرؤيا الحلمية لمنطق النص. ولأن الحلم كذلك منفذ من منافذ البوح عن الضجر بالواقع والشعور برهبته، ومحاولة تأويله نصياً تعبيراً عن القلق الذي توحي به مقدمات الحلم ومرآئي الحالم: «الأبنية الضخمة العالية والوحوش في أعاليها» حيث تتجسد هنا حالة الإحساس «بألوان العذاب وأشكال الخوف» كما عبر الكاتب.
والمكان يتمركز جلياً في لحظة التحول من الحلمي إلى الحقيقي: «أحس كأن قد وخزته إبرة أو كأن حية لدغته وإذا هي الحقيقة لا الحلم»، والإبرة والحية نبت القتاد الحقيقي، ومن خلال هذه المهاد الحلمي النصي يقارب الكاتب مرحلة من مراحل الرحلة. فالمبتغى المدينة المنورة حاضرة في بنية النص، يسوقها بذات الأداة النصية التي اختارها لهذه القصة.
وهو لم يبرح حالة القلق والتوجس. فالمدينة المنورة مآل أمانيه ومنتهى المقصود من هذه الرحلة من خلال «جوف حمار»- الذي تتحقق فيه قيمة التحول حقيقة «فقد جعل ابن السعود جوف حمار وهو أفظع مكان في البادية كلها، آمن من ميدان النجم في باريس»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])- ومن ثم يعيش حالة المتيم بالوصول إليها مستشعراً هاجس الموت دون الوصول إلى هذا الأمل العزيز، يقول:
«وفكر أيبلغ المدينة أم يهلك دونها، وهاجه تصور المدينة، وأحيا في نفسه الأمل فرأى القبة الخضراء وهي طالعة عليه من وراء الأفق البعيد. وطار به إلى الملأ الأعلى تخيله الوقوف بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وصلاته في الروضة... واستغرق في تفكيره فلم ينبهه إلا صوت مؤذن القوم، يرنُّ في هذا الوادي الساكن، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وبحسب بنية هذا النص/القصة، فتصور المدينة بالكيفية التي تراءت للكاتب تنسجم مع إطار الرؤيا / الحلم، والاستغراق في استباق تحققه، كما صرح به، وابتغاء قرب المقصد والحنين إليه؛ من خلال استحضار كينونته المثلى «الوقوف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والصلاة في الروضة» ليربط فضاء الحلم /النص بالقصد الثقافي الديني المدينة المنورة، ولذلك نجد حنينه للمدينة وشغفه بالدنو من مشهد الحضرة المطهرة، يتحقق عبر الصعود إلى الأعلى، والتخيل، كرافعات دلالية تقارب حالة التخيل، تنويعاً في تداعيات الحلم، ومرحلة في تحوله من الغرائبي المفزع، إلى المتحقق اليقيني، الذي تطير إليه وتحط في كنفه الروح والمشاعر والأفكار، وتستشرف لحظة الوصول إليه.
ومن هنا نعد هذه القصة/الحلم وتموضعها النصي في سياق الرحلة، مكوناً أساسياً في بنيتها الجمالية عبر طرائق الصوغ والدوال التعبيرية، والتماس بين الحلمي والواقعي وفق ما حرره الكاتب وعبر عنه.
v على باب السلام:
ونحن مع الطنطاوي نرصد مواقع حديثه عن المدينة في « من نفحات الحرم» لنصل إلى «باب السلام» في مقالة تفصلها مقالة واحدة عن المقالة السابقة، وقد عنونها بـ: «على باب السلام»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وفي آخر سطرين من المقالة الفاصلة([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])، كتب: «هذا آخر يوم من أيام البادية لم يبق بيننا وبين المدينة إلا نصف مرحلة.. فهل يُكتب لنا أن ندخل من باب السلام. ونقف أمام الحجرة، ونقول: السلام عليكم يا رسول الله»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وبهذا الختم يصل المقالة بأختها، ويجعل «باب السلام» عتبة نصية عنوانية بين المقال السابق الفاصل، وبين مقال آخر يليه بعنوان: «في المدينة» قنطرة عبور الرحالة والكتابة، من البادية إلى المدينة، ليحقق ما يقتضيه العنوان مع إيماءة إلى مضمون النص، ويصل فيه الحديث عن عوالم البادية والصحراء بسابقه، ويقدم النص ما يعبر عن تلك المشقة والمكابدات المرهقة، بالرغم من أن العنوان، يشير إلى دخول المدينة من خلال: «على باب السلام»، وكأنه كسر أفق انتظار القارئ؛ ليقدم بعد العنوان وقائع المشقة والسفر، يقول: «وتلفت فلم أر إلا الرمال المحرقة. تمتد إلى حيث لا يدرك البصر، متشابهة المناظر، متماثلة المشاهد:
في مهمه تشابهت أرجاؤه

كأن لون أرضه سماؤه

فرحت أفكر في هذه الأيام العشرين. وما قاسينا فيها من ألوان المكاره، وأتصور الغد الرهيب الذي ينفد فيه ماؤنا وزادنا ويلفحنا فيه سموم الحجاز وشمسه المحرقة، فأرتجف من الرعب» ([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وبعد هذا التقديم الذي يستنفد فيه الكاتب بقية قصة التعب، وعندما يقول له الدليل: هذه جبال المدينة. يصف ما يعتوره من مشاعر فيقول:
«ووثبت وثبة تطاير منها اليأس والخمول عن عاتقي، وأحسست كأن قد صب في أعصابي عزم أمة، وقوة جيش، وظننت أني لو أردت السحاب لنلته، ولو غالبت الأُسد لغلبتها، ولو قبضت على الصخر لفتته، وجعلت أقفز أصرخ لا أعي ما أنا فاعل. فقد استخفني الفرح. وسرني من هذه الكلمة أكثر ما يسرني من أن يقال لي: أنت أمير المؤمنين» ([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ومن خلال متوالية الأفعال وأدوات الشرط في هذه الصيغ يتحلل يأسه وتفنى مكابداته، وقد تحققت له بشارة دخول المدينة والاقتراب منها، ويجسد حالته الشعورية من خلال الصيغ الأسلوبية التي يعزز فيها عبر دوال الأفعال بصيغة المتكلم/ الراوي كل ما يدل على إرادة الفعل والفرح ويقظة الهمة، ويستوعب حالة النشوة، ومن ثم اليقين بفرح الوصول، وتغدو كلمة (المدينة) لدية أكثر نفاسة وقيمة من إمارة المؤمنين، ففيها النصرة بالوصول وتحقق الهدف.
ومن خلال النص يتداخل الثقافي بالتاريخي، والديني بالشعوري في منظومة من المقاطع النصية، التي يوالي استرجاعها وتحريرها وفقاً لمقتضيات النص الرحلي الفنية وأنظمته البنائية والأسلوبية، بعيداً عن فورة الشعور وتأجج الحالة المؤقتة، فهو ينص بدأب عبر الكتابة على تفصيلات عدة يوفر لها صياغات تجعلها بغاية الضبط، واستيعاب لحظات الإفضاء. كما يجيد إشراك القارئ في فاعلية الاستيعاب والمشاركة في تصور مراحل الرحلة وانعطافاتها، موفراً قدر من الجمالية في صياغة ذلك والتعبير عنه.
ومن الملاحظات الجديرة بالإشارة تصريحه في هذا النص، بأنه كان يدون مراحل الرحلة وأسماء الأماكن، ويهتدي إلى مواقعها بخارطة يحملها معه، يقول:«... إلا أن يعرض لنا جبل أو شعب. فأسأل الدليل عن اسمه لأكتبه في دفتري الذي سرق مني في آخر الرحلة.. ثم أرجع إلى صمتي الطويل، فلما زال النهار صاح بي الدليل:
- هيه أنت يالْ كاتب. أكتب هذا أُحد.
- فصحت إذن وصلنا ؟
- فقال: ما قلت لك الظهر ؟ هذا أُحد. بقي نصف ساعة ؟» ([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ويقول في موضع آخر: «وكنا قد بلغنا هذا المضيق الصخري، بين هضبتي سلع. فنظرت في خريطة للمدينة كانت معي، وقلت للدليل: أما هذا (ذباب)، فقال: بلى والله فما يدريك أنت ؟ قلت: أما هذا (مسجد الراية) ؟ قال: بلى. قلت: هذه هي ثنية الوداع»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ويتداخل هنا فعلى القراءة: التلقي والاسترشاد، والكتابة: الإنتاج والتوثيق، في سياق تقتضيه طبيعة الرحلة، والملاحظ فيه انتظامه في منهج الكاتب كإجراء يكشف أن الرحلة ليست كلها استرجاعات من الذاكرة، بل إن رصد بعض مراحلها وتدوينه قد تم أثناءها، ولذلك جاء دفاقاً بحرارة الولادة الأولى ورحمها الملتهب، الذي تسكن فيه كل هذه الافضاءات النصية بعلاماتها وشياتها الأصيلة.
وفي هذا النص يعيد الكتاب التعبير بفعل الرؤية: «أرى» في سياقين هما المشاهدة الحقيقية للمعالم والأمكنة ومباشرتها. والرؤية الاسترجاعية لحمولات الثقافة التاريخ والجغرافيا، في سياق نصي يوائم بين مباشرة الرؤية والاسترجاع التأملي: «أي ذكريات انبعثت من نفسي حين قال: هذا أُحد../وأي عالم تجلى لعيني، رأيت المعركة قائمة والمسلمين ظافرين../رأيت الرماة إذ يزولون أماكنهم../وأبصرت النبي واقفا عليه../ورن في أُذني صوت أبي سفيان../ثم سمعت صوت أبي سفيان يرنُّ في أذني مرة ثانية../ونظرت فإذا أحُد لا يزال بعيداً»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
فالفعل «أرى» وما ينتمي إلى حقله -تكراراً وتنويعاً- من تحقق وترابط أفعال الجوارح: «رأيت، أبصرت، سمعت، نظرت» تكرس السياقين اللذين أشرنا إليهما كإستراتيجية يعتمدها الكاتب. لنقل أنباض مشاهد الرحلة، وهي تعبأ بصوت التاريخ الذي يضفره الكاتب بالسياق النصي لهذا المقال من النفحات. ويحتل موقعه المناسب القادر على تكوين صورة أوضح وأصدق تنهض باستحقاقات الكتابة الرحلية، وتفي بنقل المتلقي إلى أجواء الرحلة وتفصيلاتها. بكل ما في هذه المقاطع من المعرفة/معرفة الكاتب بمجريات التاريخ، واعتماده على عنصري القراءة: التلقي، والكتابة: الإنتاج والتدوين، بما يتناسب ويتكامل مع أنظمة النص وأجوائه.
ولا تقف ملامح المعرفة عند حدود التاريخ، بل تستوعب الأدب والشعر-تحديداً- لتجذير المعرفة وتلوين بنيتها في النص، تمكيناً لها في ذهن المتلقي، واستجابة لطواعيتها وموافاتها لذاكرة الكاتب؛ ذلك أن الشعر كنسق تعبيري قد يكون الأقرب لاستيعاب نوازع العاطفة ومنطوياتها، ولأن المكان يتوافر على رصيده من الشعر متوافقاً مع ذات الإحساس الذي يتملك الكاتب، فهو يتناص معه ويشركه في رفد النص وتلوين سياقه؛ مما يعبر عن الخبرة المعرفية من جانب، ويعزز الاشراقات الجمالية للنص من جانب آخر، يقول: «ورأينا سلعاً وهو جبل عالٍ أسود، يقوم حيال أحد فيحجب المدينة وراءه، فلا يبدو إلا جانب الحرة، وطرف النخيل. فذكرت قول محمد بن عبد الملك وقد ورد بغداد:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً

بسلع ولم تُغلق عليَّ دروب

وهل أحدٌ باد لنا وكأنه

حصانٌ أمام المقربات جنيب

يخبُ السرابُ الفحلُ بيني وبينه

فيبدو لعيني تارةً ويغيب

فإن شفائي نظرة إن نظرتها

إلى أحد والحرتان قريب([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])


ويحقق تضمين النص الرحلي نصوصاً من القرآن والحديث والأخبار التاريخية والشعر -فضلاً عن التلوين الجمالي وتقريب المعلومات للقارئ أو تحليتها أسلوبياً-بعداً أصيلاً يصل المتلقي ببنية المكان وطاقاته الثقافية، وتكمن الجدة في النص هنا، ليس في الوصف الطوبغرافي، إنما في الرؤية التي يقدم الكاتب المعلومة من خلالها، والسياق النصي الذي يوظفها فيه، والروابط والانتقالات التي تحكم أجزاءه.
فأُحد، وغيره من معالم وأمكنة لا ينقص القارئ – ربما-معرفتها، ولكن أهمية إيرادها هنا، تتأتى عبر الذات الكاتبة، ومن خلال تجربة لها مقوماتها ومواصفاتها النوعية، ولها سياقها النصي والجمالي الخاص، فالأبيات السابقة كمثال تتجاوز مناسبة كتابتها وكاتبها، كنوستالجيا مفعمة بغنائية فاقعة، وإيقاع شفيف تتلمسه الحواس وتعي دلالاته، ليعاد نسجه في سياق زمن مغاير وسياق نصي جديد، وآنية كتابته وظروفها يعاد ضفرها ببنية النص الرحلي، بما يتوافر عليه من حنين طاغ للمكان، وهكذا كانت نصوص أخرى من حقول ومصادر متعددة تحقق المعرفية، كبعد من أبعاد النص الرحلي؛ لأن «بنية المكان في النص الرحلي مفتوحة على تعالقات وإستراتيجيات بين الأمكنة والأشخاص، وما تقرره من تسجيل للمكان، بتقديسه أو بذمه والابتعاد عنه، ثم ارتباطه بالتاريخي عبر الاسترجاعات وجنوح الراوي في أحايين كثيرة إلى تقمص دور الجغرافي»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ولأن هذه المقالة «على باب السلام» أطول النصوص التي اشتملها كتاب الطنطاوي فيما يتعلق بالمدينة في رحلته. فقد استوعب امتدادها الكمي عدداً من المقاطع التي تكرس المغزى الذي أراده الكاتب.
كما نحا هذا الامتداد بحكم طبيعة موضوعه منحاً آخر عُني بجانب من جوانب الحياة اليومية بالمدينة والسياق الاجتماعي المتساوق معها أو المشكِّل لها، يقول في معرض حديثه عن دخول المدينة: «وكانت البساتين والحيطان قريبة منا فسرنا إليها نخب الرمل، فلما دنونا من أحدها سمعت غناء موقعاً على ناي. كأشجى وأطرب ما سمعت من الغناء فتعجبت. ثم ذكرت أن أهل المدينة منذ كانوا أطرب الناس وأبصرهم بالغناء، وهممت بالدخول، ثم أحجمت وقلت: لعل المغني امرأة، فلقد كان الذي سمعت صوتاً طرياً رقيقاً لا يكون إلا لامرأة أو غلام، ثم حانت مني التفاته من فرجة الباب، فإذا المغني عبد أسود كالليل. وإذا الذي حسبته نايا ناعورة يديرها جمل لها مثل صوت النواعير في حماه، لكن صوتها أرق وأحلى»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وكانت عناية الطنطاوي بالتفصيلات اليومية للحياة بالمدينة قليلة، إزاء عنايته برصد مظاهر ومراحل الرحلة والمعالم والأمكنة التي مرَّ بها، وتضمينها بعض المعلومات والمعارف التي يدركها عنها، وقد يكون للسياق الذي جاء به في هذه القصة ومسوح الفكاهة والطرافة فيه؛ دور في تأتيه منه ورغبته في ذكره، اتساقاً مع تكوينه الثقافي والذاتي، ومكونات شخصيته المعروفة.
ونلحظ أن من أبرز المقامات والمشاهد التي تكرر ذكرها في غير مقالة من مقالات هذا الكتاب-في تنويع موضوعي سياقي وأسلوبي وصفي- مشهد المسجد النبوي والقبر الشريفين، وتتكئ هذه السياقات على شعور بالرهبة والحنين والجلال، يقول: «.. فلم نقطع سلعاً حتى بدت لنا المدينة كصفحة الكف بها النخيل، وتكتنفها الحرار، وتقوم في وسطها القبة الخضراء التي يثوي تحتها جسد السيد الحبيب، وتكشفت لنا دنيا كلها خير وحقيقة وجمال، وعالم كله مجد وفضيلة وجلال، من هنا خرج الجند الثلاثمائة إلى بدر فدكوا صرح الاستبداد والجهالة، ورفعوا منار الحرية والعلم وأقاموه على جماجم الشهداء وسقوه هاتيك الدماء. فأضاء نوره الجزيرة كلها، ثم قطع الرمل، فأضاء الشام والعراق، ثم قطع البحر فأضاء الهند وأسبانيا فاهتدى به الناس إلى طريق الكمال الإنساني » ([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
إن التنويع الذي الذي ذكرناه في معاودة الكاتب ذكر النور الساكن في أرض القبة الخضراء، حيث يأخذ الطنطاوي في كل مرة نحو استرجاع تاريخي يتجاوز المعلومة المحضة والسرد المكرر لها. لينتخب منه ما يتواءم مع نفحة الاستذكار من ذكر وقائع التاريخ ودلالاتها، في اقتصاد منظم في التعبير عن هالات الجلال في المكان وسيرته وأهميته الإستراتيجية.
فالصياغة البيانية التي وافينا مثالها في المقطع السابق، وإحالاتها إلى مفاهيم ركائزية دينية وحضارية، تحتشد بهذا الوعي بتاريخ المكان، ودروه المفصلي في حركة التاريخ ومسيرة الإسلام. «دنيا كلها خير وحقيقة وجمال/وعالم كله مجد وفضيلة وجلال../ دكوا صرح الاستبداد والجهالة../ رفعوا منارة الحرية والعلم» فهذه هي مخرجات مسيرة التاريخ الإسلامي ومشهد انطلاقته من المدينة، يعبر عنها الكاتب بهذا البيان الجمالي المشرق، دون ارتهان لميعة الشعور ووقدة الانفعال.
بل يقين مكين يقوم على وعي بتفصيلات ومعطيات هذه المفاهيم العليا: «الخير، والحقيقة، والجمال، والمجد، والفضيلة، والجلال» ليصل إلى «طريق الكمال الإنساني»، وهي مآلات وعي العارف بمستوى وأهمية هذه المفاهيم والقيم، يحرك إحساسه بها مشهدُ القبة الخضراء.
v المدينة:
وكان هذا النص آخر مقالة تحدث فيها الطنطاوي عن « المدينة»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])، بهذا العنوان المقيد بدلالته على المكان بحسب موضوعه في الكتاب بالمدينة المنورة، ولم ينشر من قبل ولم يذع، وفيه يعقد موازنة بين زيارته الأولى لها سنة 1935م وأوبته إليها سنة 1956م،وبين الزيارتين واحد وعشرون عاماً، والمغايرة بين الزيارتين تتجلى كذلك في وسيلة الرحلة وكيفية الوصول.
ففي الزيارة الأولى قطع المسافة من الشام إلى المدينة براً، وتعرَّض للمصاعب والمشاق والأهوال ومواجهة الموت، وغشى الأمكنة ووصفها، وتقرَّى المعالم وجاسها مما انعكس على منظور الرحلة/النص وتفاصيلها، وصيغ الأداء التعبيري ودلالاته، واسترجاعات رصيد تلك الأمكنة في الذاكرة والثقافة.
وفي الزيارة الثانية اختلفت الوسيلة، واختلف الفضاء المادي للرحلة فكانت عبر السماء، يقول: «وكنت أنظر من شباك الطيارة إلى الصحراء، وهي تحتي أراها كأنها بساط متموج، فأذكر كم لقينا فيها في رحلتنا الأولى، وكم أحسسنا من اللذة والألم، والخوف والاطمئنان، وكم رأينا الموت يحيط بنا، حتى إذا قلت، قد أخذنا، عاد فابتعد عنا.
لقد ربحنا الزمن، ولكن خسرنا العواطف والأفكار والتأملات، وهل يحس راكب الطيارة بواحد من ألف مما أحسسنا به ونحن نقتحم الصحراء ونتسلق جبالها ونخوض رمالها، ونشهد أصباحها وأماسيها وليلها ونهارها»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
فالكاتب ومن خلال معبرين زمنيين مختلفين يفصل بينهما عقدان من السنين، ومن خلال فضائين أرضي وسماوي، يصل إلى ذات المقصد والمحجَّة: المدينة المنورة. ويقيس طبيعة التغير في مستويين:
الأول: الشعور الذاتي ومنطوياته من عواطف وأفكار وتأملات، وقد اعترف بخسارته وهو ينظر إلى المدينة من نافذة الطائرة.
والمستوى الآخر: وهو نتيجة للأول، إفرازات تلك العواطف والأفكار والتأملات المدونة، التي تبني خارطة النص وتشكل وجوده. وقد شعر الكاتب في العبور والارتحال إليها في المرة الأولى بوطأة هذه المشاعر وتنافراتها: «اللذة/والألم، والخوف/والاطمئنان» والموت يحيط بهم، ثم يبتعد عنهم. بينما اختزلت في الرحلة الثانية في ساعات معدودة، لا تتيح مساحة لاندياح العواطف والأفكار.
فالمقارنة بين الرحلتين ومن خلال وسيلتيهما تكتسح كل شيء، فتختصر الزمن من عشرين يوماً إلى ثلاث ساعات، وتفضي إلى الشعور بالربح والخسارة: ربح الزمن، وخسارة العواطف والأفكار والتأملات.
إذ كان العبور الوئيد ومشاقه؛ مفعماً بالاكتشافات ولذة المغامرة، ودهشة المشاهد وطي المسافات واقتراب الوصول من الهدف. وبذلك تختلف مراحل وطبيعة المسافة قبل المدينة في الرحلة الأولى عنها في الرحلة الثانية. وهكذا قدَّر الكاتب ووعى الفوارق، وهو يسترجع رهبة المسافة براً، دون أن يغفل الإشارة إلى قيم تلك الرهبة من مسحات التأمل، وتوالي استيلاد وبعث الأفكار. فهو الكاتب الذي يرصد المراحل ويدون تفصيلاتها وتواريخها وانعطافاتها ومآزقها، ورصيدها في الذاكرة، وفي المعرفة والحياة.
ومن تجليات المفارقة في الرحلتين، ما يمس المدينة المنورة/المكان من متغيرات يرصد الكاتب علاماتها، فيقول: «لما زرنا المدينة أول مرة، كانت مهملة مضاعة، ومنقطعة عن الدنيا... ولما زرناها سنة 1956م وجدناها قد أخذت تتصل بالدنيا بهذا المطار الفخم الذي أنشئ فيها، ووجدنا يد الرعاية والإصلاح قد مستها بعد أن كانت بعيدة عنها»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ولا أفهم معنى للانقطاع والاتصال يريده الكاتب. إلا ما يمكن أن يمثله المطار من إضافة خدمية تطويرية للحياة العامة ونشاط الناس، برغم ما يشير إليه مفهوم الانقطاع لديه «منقطعة عن الدنيا» بالمطلق من عزلة وتقوقع، وهو ما لا يستقيم مع استمرارية اتصال المدينة المنورة بكل الدنيا وحركات الهجرة إليها والمقام فيها، والرحلات المتعددة إلى مسجدها ومعالمها، وتجليها في مدونات الكاتبين، رحالة وباحثين عبر الزمن، وتشكل وتطور نسيجها الثقافي والاجتماعي، مما يجعل الانقطاع كما أراده الكاتب فاقداً لإسنادات موضوعيه أوواقعية تترجمه أوتدل عليه.
ويورد الكاتب ذكر المسجد النبوي والبقيع في هذه المقالة، ويعيد ذات الرؤى التي سبق وأن تناولها في مقالات سابقه، مشاكلاً ذات الأفكار بصيغ جديدة، وزوايا نظر مختلفة.
v خاتمـة:
يمكننا بعد استعراض صورة المدينة في رحلة الطنطاوي، من خلال المقالات والنصوص التي تخصها في هذا الكتاب. أن نعد كتابته الرحلية عنها -في إطار التشكيلات النصية التي اعتمدها للكتابة- صورة مائزة تحفل بطاقات النص الرحلي وتعبر عن هويته وتجلياته وجمالياته، وتعكس حس الكاتب الفني، ومقدرته السردية، وتنوع مصادر ثقافته ومرجعيته المعرفية، التي استثمرها في بناء هذه النصوص. فصاغ المعلومة ورصد ما وسعه رؤيته من بعض مظاهر الحياة اليومية، ومن معالم وآثار وأمكنة، وما وافاه من الأحاسيس والأفكار، نحا بها نصياً بما يتوافق مع سياقات النصوص ومجالاتها الموضوعية، موفراً قدراً من الوعي الأصيل بفنيات الكتابة وأساليبها في غير إخلال أو اندفاع، بل كانت ضوابط النص المعيارية موافقة للعفوية المتناهية التي عرف بها.
كما كانت هذه النصوص مستوعبة لطبيعة المكان، وقد تضمنت جملة استرجاعات تاريخيه؛ وقائع وأخبار متقاطعة مع نصوص دينية وتاريخية وشعرية، تسير في نفس السياق النصي الموضوعي، لتقدم مضمونها بشكل أدعى على استدعاء التلقي والإضافة إلى خبراته، وكشف العديد من السياقات والرؤى أمامه بحسب المستويات الدلالية واتجاهاتها، التي أجاد الكاتب تشييدها وإقامتها في كيان هذه النصوص.
¯¯¯

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) علي الطنطاوي، من نفحات الحرم، دار الفكر، دمشق، 1400هـ -1980م، د. ط. ص7.

(1) المرجع السابق، ص7-8.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) ابن منظور، لسان العرب، تحقيق: عبدالله علي الكبير، ومحمد أحمد حسب الله، وهاشم أحمد الشاذلي، 6/4493، مادة: نفح.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) علي الطنطاوي، مرجع سابق، ص9.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) سعيد علوش، الصورة الغربية في الذاكرة الشرقية، الصورة الشرقية في الذاكرة الغربية، مجلة الثقافة الأجنبية، محورنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةأدب/الرحلات )، بغداد، السنة التاسعة، العدد الثالث، 1989م، ص9.(نقلاً عن شعيب حليفي).

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د. شعيب حليفي، الرحلة في الأدب العربي، التجنس، آليات الكتابة، خطاب المتخيل، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006، ط1، ص78.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) الطنطاوي، ص27-28.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص28-29.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص29.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د. شعيب حليفي، ص21.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) الطنطاوي، ص35.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د. شعيب حليفي، ص167.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) الطنطاوي، ص37.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص38.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص38-39.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص41.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د. شعيب حليفي، ص239.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) الطنطاوي، ص43.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عبد الرحيم مودن، أدبية الرحلة، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط1، 1996م، ص57.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) انظر: د. شعيب حليفي، ص230

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) انظر: السابق، ص230-234.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص234.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) الطنطاوي، ص43.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د.أسماء أبوبكر أحمد،التشكيل التيبوجرافي في النص الشعري، دار الأمانة،المنيا،مصر،2001م،ط1،ص4.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) الطنطاوي، ص108.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د. شعيب حليفي، ص417-418.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) الطنطاوي، ص111.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص117.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) كتب في هامش هذا المقال:كُتبت في البادية،شمال المدينة المنورة،نيسان1935م

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) الطنطاوي، ص117.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق،ص118.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق،ص119.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص122.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص119.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص120.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د. شعيب حليفي، ص 356.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) الطنطاوي، ص121

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص124.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص126.







 
من مواضيعي في المنتدى

0 رياضة المشي تغذي الدماغ Walking supplying the brain
0 92 وظيفة صحية شاغرة بجامعة الدمام
0 اكثر من 21 الف أضحية تم ذبحها يومي الأول والثاني في المدينة‎
0 إختتام فعاليات ورشة التحليل الوظيفي لمهنة فني التصوير الفوتوغرافي
0 تنفيذ حكم القتل في قاتل آل مرباح بمحايل عسير
0 صحة جازان تعلن عن وظائف شاغرة بمستشفى الامير محمد بن ناصر
0 المسابقات تغريم الاتحاد 10 آلاف ريال
0 أهالي قرية السليم ينتظرون إنشاء كوبري منذ 9 سنوات
0 ملتقى المدينة المنورة انتقادات للسجل التجاري للمزارعين وقلة العمالة والدلالين
0 المناخة - الجزء الأول
0 غرفة حائل نظمت ندوة عن مكافحة الفساد في قطاع الأعمال
0 انتعاش الأسهم الأوروبية بعد استطلاعات رأي في اليونان
0 الإدارة العامة للتربية والتعليم بمنطقة المدينة المنورة تعقد الاجتماع السادس
0 قائد النمور يهدي اللاعب فهد المولد سيارة لكزس بعد العبور لنهائي أسيا
0 القطيف تعرض مواطنين لإطلاق نار من قبل ملثمين
0 أكثر الهولنديين عداء للإسلام يعلن إسلامه

  رد مع اقتباس
قديم 11-15-2016, 02:23 PM   رقم المشاركة : 2
أبو فيصل

][ إدارة الموقع ][

 
الصورة الرمزية أبو فيصل








معلومات إضافية
  النقاط : 10
  المستوى : أبو فيصل is on a distinguished road
  الجنس :
  عدد الزيارات : 411830
  الحالة : أبو فيصل غير متواجد حالياً
 
 

معلومات العضو


!..My SmS ..!
 

شكرا لكم لقبولي بينكم


 

افتراضي رد: مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 7


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الاستاذ سعود عبدالغني
يعطيكم العافية
وشكراً لكم







 
من مواضيعي في المنتدى

0 مساء النور والسرور Good evening
0 راجل داسته عربية
0 رمضان كريم
0 رد: مشاركة مكررة !
0 رد: والد وكيل إمارة المدينة المنورة إلى رحمة الله
0 عشر نجمات تضيئ بها حياتك
0 رد: رفع
0 مكرر
0 مشاركة مكررة
0 أي من هذه تريد Any of these you want to
0 مكررر
0 وصف الرسول صلى الله عليه وسلم Description of the Prophet
0 رد: وظائف شاغرة على برامج التشغيل الذاتي بمستشفيات مكة والمدينة والقريات وبيشة
0 اسعد الله مسائكم جميعاً بالخيرات والبركات
0 متى تكون إنسان رائع
0 مكررر

  رد مع اقتباس
قديم 11-15-2016, 02:31 PM   رقم المشاركة : 3
سعودعبدالغني
مؤسس ومدير عام المنتدى
 
الصورة الرمزية سعودعبدالغني









معلومات إضافية
  النقاط : 83
  المستوى : سعودعبدالغني تم تعطيل التقييم
  الجنس :
  عدد الزيارات : 33112655
  الحالة : سعودعبدالغني غير متواجد حالياً
 
 

معلومات العضو


مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي
جنسيتي
!..My SmS ..!
 

هذا المُنتدى للجَمِيع فشرفونا بتواجدكم


 

افتراضي رد: مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 7


أخي الفاضل أ.أبو فيصل
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
شرفني مروركم وأسعدتني ردودكم على موضوعي
.. تقبل خالص إحترامي وتقديري.






 
من مواضيعي في المنتدى

0 غرق مقيمة إفريقية بمنتجع بالمدينة
0 مدير عام فرع هيئة المدينة يزور مدير تعليم المدينة
0 هاينكس يعتزل التدريب
0 بلدية الفريش تزيل عددا من الاعتداءات بالمدينة
0 الزعيم يسقط الاتحاد برباعية وهدف سينمائي لـ القناص
0 إيداع معونة الملك في حسابات المستفيدين غدا الأربعاء
0 قرار إداري 7 Administrative decision 7
0 نادي الأنصار بطلاً لكأسي مهرجان صيف طيبة
0 الرحلة 307 تقود الهزازي إلى الأهلي بإذن الله
0 حلم السنين قلصه الأهلي لنقطتين حسم موقعة مارس بالأربعة
0 ورشة عمل تناولت دور رؤساء البلديات في دعم اللجان الانتخابية
0 قلق نجراني من احتجاج النصر
0 صحة المدينة تنفذ الخطه الصحيه لحج 1432 هـ
0 دراسة عملية حديثة شرب القهوة يقي من سرطان الجلد
0 وظائف صحية شاغرة بجامعة الطائف
0 الملك فيصل حذر السادات من القذافي المريض نفسياً King Faisal Sadat warned Gaddafi pati

  رد مع اقتباس
إضافة رد


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه للموضوع: مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 7
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 6 سعودعبدالغني أخبار ومتابعات أدبية وثقافية 2 11-15-2016 02:31 PM
مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 5 سعودعبدالغني أخبار ومتابعات أدبية وثقافية 2 11-15-2016 02:30 PM
مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 4 سعودعبدالغني أخبار ومتابعات أدبية وثقافية 2 11-15-2016 02:30 PM
مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 3 سعودعبدالغني أخبار ومتابعات أدبية وثقافية 2 11-15-2016 02:30 PM
مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 1 سعودعبدالغني أخبار ومتابعات أدبية وثقافية 2 11-15-2016 02:29 PM


الساعة الآن 02:34 PM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. منتديات
°¦|°• مصرح من وزارة الثقافة والإعلام°¦|°•
اختصار الروابط
..::.. رســمـ كــمـ للتصميمـ ..::..