للتسجيل اضغط هـنـا

 

 

.:: الوصول السريع لأقسام الموقع ::.
الرئيسية نقاشات موسوعة المرأه القصص والروايات مركز التحميل
معرض الصور الرياضة مكتبة البرامج التوبيكات الجوال
الألعاب الإلكترونية إسلامي سر سعادتي

العاب الفلاش 

رحلة وترحال المسجد النبوي الشريف

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز المشرفة المميزه
فيديو تعليمي - إشارات مؤشر الزخم
بقلم : محلل ذو خبرة
قريبا قريبا
تابعونا عبر تويتر

 
العودة   منتديات أحباب طيبة > الثقافة العامة والأدب Forum general culture an > منتدى الثقافة العامة والأدب Forum general cult > أخبار ومتابعات أدبية وثقافية
التعليمات قائمة الأعضاء التقويم مواضيع لا ردود لها اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-15-2016, 01:59 PM   رقم المشاركة : 1
سعودعبدالغني
مؤسس ومدير عام المنتدى
 
الصورة الرمزية سعودعبدالغني









معلومات إضافية
  النقاط : 83
  المستوى : سعودعبدالغني تم تعطيل التقييم
  الجنس :
  عدد الزيارات : 31930929
  الحالة : سعودعبدالغني غير متواجد حالياً
 
 

معلومات العضو


مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي
جنسيتي
!..My SmS ..!
 

هذا المُنتدى للجَمِيع فشرفونا بتواجدكم


 

افتراضي مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 8


مدرسة العلوم الشرعية
المؤسِّس والمؤسَّسة



v مدخل:
تعدُّ مدرسة العلوم الشرعية وسيرة مؤسسها أحمد الفيض آبادي، من العلامات المهمة في مسيرة العلم وحركة الثقافة بالمدينة المنورة. وقلَّ أن يُشار إلى المدرسة دون أن يُذكر لمؤسسها ذكرٌ وإن كان يشير إلى الدور العلمي والثقافي التاريخي للمدرسة؛ فإنه يحيل إجمالاً إلى دور المؤسس في إقامة هذا الكيان المعرفي المهم.
وقد عُني الأستاذ عبد القدوس الأنصاري بتسجيل ذلك الدور-ورصد سيرة المؤسس والمراحل والانعطافات التي مرَّ بها -في كتابه «السيد أحمد الفيض آبادي»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])، بهذه الصيغة المختزلة باسم العَلَم، بلا إضافة تفسيرية أو إشارة إلى ما يرمز إلى دوره، أو يمنحه صفة ريادية، أو يشير إلى طبيعة منجزه في ذلك العنوان.
حيث أراد الأنصاري أن يكون العَلَم المحض عنواناً وعتبةً لنص الكتاب، وكأنه رأى في اسم (الفيض آبادي) عَلَماً ومَعْلَماً يشيران إلى مدى الجهد العلمي التأسيسي، والدور الريادي الذي قام به وتصدى له.
كما انبرى الدكتور محمد العيد الخطراوي إلى المدرسة ودورها الرائد، في كتابه «مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة والموقع التاريخي الرائد»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])، فجلَّى دورها التاريخي في نشر العلم والاهتمام بالمعرفة، وتطرق إلى سياستها التعليمية وشعبها وأقسامها، ونظمها التربوية والإدارية، ومدرسيها وخريجيها، وتقاريرها السنوية، ومضابطها من محاضر ورسائل وبرقيات وشهادات، مكنَّه من الاطلاع والإفادة منها مديرها ومؤسسها الثاني حبيب محمود أحمد.
ولا يسع باحثاً بعد الأستاذين الجليلين الأنصاري والخطراوي، مجالٌ للإضافة في ذينك الموضوعين: المدرسة والمؤسس، إلا بتأمل ودرس ما عرضاه، والنحو به إلى مسار نقف من خلاله على سيرة المؤسس، مكوناتها وفضائها القيمي والثقافي، واستظهار تكوينات المدرسة، ونظمها ومخرجاتها، ودورها في النهضة العلمية والثقافية بالمدينة المنورة في تلك الحقبة.
v الكتاب /السيرة:
إن السيرة الغيرية التي أراد الأنصاري تدوينها عن شيخه الفيض آبادي، غير متسلسلة في سياق دقيق، وإن كانت لا تخلو من ضبط للمراحل الزمنية والانتقالات المكانية إجمالاً، إذ عمد إلى انتقاء أجزاء ومضامين ومراحل، تكشف البنى المركزية في تلك السيرة والتمثلات المحورية فيها. فبدأ من محضنها الأول الهند، وجذور أسرة الفيض آبادي فيها، وهجرتها إلى المدينة، وبدايات نشاطها، واستعرض بإيجاز إسهام أفرادها في الحركة العلمية بالمدينة، وصولاً إلى أحمد الفيض آبادي، وتأسيسه للمدرسة التي هي التمثل الجوهري لمنجز الفيض آبادي، وشاهد دوره التأسيسي.
وقد جاء كتاب الأنصاري وفقاً لعناوين مقالية، يمثل كلاًّ منها جانباً من جوانب سيرة المؤسس وجهوده في التأسيس، ومقاربات متنوعة بين الذات والموضوع في عناوين متعددة مثل: «عهد جديد، أصل وفصل، بيئة وشخصية، فكرة تتحقق، شجرة العلم، تشكيلات وثمار، من نجاح إلى نجاح..» إلخ. وهي عناوين تنبئ عن طبيعة السياق النصي ودلالاته التي يريد المؤلف استظهارها. وجاءت صياغته أقرب إلى البناء القصصي الحكائي، بوصفه أدعى إلى اجتذاب المتلقي، وأقدر على تحقيق البعد السيري للكتاب.
ويمهد الأنصاري مبرراً هذا الأسلوب في المقدمة بقوله: «.. فإن في هذا الكتاب فصولاً هي من نسج الواقع، وفيه فصول تضافر الخيال والواقع على نسجها، فللواقع منها طرف تسجيل الحقائق الأساسية كما هي، وللخيال منها طرف سرد التفاصيل، وليس فيه فصل ولا فصول من نسج الخيال وحده»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
فالواقع الذي أراده المؤلف هو التفاصيل السيرية، واليوميات المتعددة، والمراحل الزمنية، والمحطات المكانية المنتقاة، والنصوص الوثائقية التي انتخبها من أقوال الفيض آبادي وأثبتها في الكتاب، والخيال هو التقنيات الأسلوبية، وصيغ الكتابة وجمالياتها، ومسوح القصة التي كتب من خلالها هذه السيرة. وهو شديد الاعتداد بسيرة شيخه لسببين ذكرهما في المقدمة، وهما:
1- أن سيرته مثال وضَّاء للحياة العاملة المنتجة، والسير القويم في معارج الحياة الاجتماعية الكاملة.
2- أنه حصر حياته منذ شبابه إلى شيخوخته، وإلى آخر نفس من حياته في سبيل هدف سام، يستحق لأجله تخليد الذكر، ألا وهو رفع منارة العلم وتثقيف الناشئة؛ بإنشاء معهد علمي عظيم لهم في بلد الرسول صلى الله عليه وسلم([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
لقد استحق الفيض آبادي خلود الذكر في -نظر الأنصاري - لأنه مثال وضَّاء للعمل والإنتاج ، والاستقامة في السلوك ورفع منارة العلم، وقد وقف حياته لأجل هذا الهدف السامي، مما يؤهل سيرته وصنيعه للخلود. ولذلك أخذ الأنصاري على نفسه كتابه تلك السيرة، كنموذج لأول سيرة غيرية يكتبها أديب مدني في تلك الحقبة. وكان لقربه من الفيض آبادي والعمل معه والأخذ عنه؛ دور في مقاربة تكوينات تلك السيرة وتفصيلاتها ، بذلك القدر من الحميمية والإعجاب.
وقد أهدى الأنصاري هذه السيرة «إلى الذين يسرهم تقدم الثقافة في مهد العروبة والإسلام»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وبوصف الإهداء إحدى العتبات النصية الموازية للنص الأصلي: السيرة/المتن. رام الأنصاري من خلال تدوين سيرة شيخه، التمثيل لنموذج العمل والإنتاج والإنجاز وخدمة المعرفة، ومن ثم يتقاطع الإهداء مع النص السيري في جانبين:
أولهما: إقرار كون المدينة المنورة مهداً للعروبة والإسلام، استناداً إلى قيمتها التاريخية والعلمية على مرِّ العصور.
وثانيهما: محاولة التمثيل لهذه القيمة بنموذج حي، يسعى إلى تأكيد ذات القيمة والدلالة عليها، وهو الفيض آبادي بوصفه فاعلاً في بعث قيم المكان (المهد)، مما يبرر استحقاقه لتلك المكانة.
كما نجد نصاً موازياً آخر، أراد الأنصاري من خلال استصحابه حشد قيمة ثقافية لكتابه ونموذجه، وهو لأحد قادة الحركة الثقافية العربية الطليعيين، وهو الأستاذ أحمد حسن الزيات، الذي قرَّض الكتاب وصدَّره بما يشير إلى معنى البعث الثقافي وإحياء تقاليد المعرفة الأصيلة، حيث قال: «الكتاب الذي يمثل مبادئ اليقظة العلمية الحديثة لمهد العروبة والإسلام في العصر الحديث، بأسلوب يجمع بين متعة الفن القصصي وعمق البحث العلمي.. »([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ولقد عدَّ الزيات كتاب الأنصاري مثالاً لمبادئ اليقظة العلمية الحديثة، وأشاد بأسلوب صياغته، فهو -في نظره- وبحكم موضوعه، يجمع بين متعة الفن وعمق البحث. ومن ثمَّ استثمر الأنصاري مفهوم «مهد العروبة والإسلام» في أهدافه كما رأينا، قناعة بها وتأسيساً عليها.
وقد وفَّر الأنصاري لكتابه هذه العتبات، ووظف دلالاتها النصية؛ ليجعل شيخه الفيض آبادي في ذلك المستوى الرفيع، في كتاب يحتوي بعض سيرته، وتتصدره شهادة علم ثقافي ذا قيمة رمزية كالزيات.
وتكمن قيمة الكتاب في نظري -بالإضافة إلى موضوعه (الفيض آبادي)- كونه نموذجاً للسيرة الغيرية، بالكيفية التي وعى فيها الأنصاري معايير هذا الفن وشروطه، ووفقاً للمتن الذي اختاره له.
v المؤسس/ الفيض آبادي :
تعدُّ أسرة الفيض آبادي من الأسر الهندية التي هاجرت إلى المدينة المنورة في العقد الثاني من القرن الرابع عشر الهجري، من قريتهم (الله داديور) من أعمال (فيض آباد)، وقد ولد أحمد الفيض آبادي عام 1293هـ، في قرية (باتكرمو) التابعة لفيض آباد، ودرس فيها الابتدائية، وقدم إلى المدينة المنورة عام 1316هـ برفقة أبيه، الذي كان عالماً في بلاده، واختار المدينة مُهاجراً، وله خمسة أبناء من أبرزهم (أحمد، وحسين، ومحمود)، والأخير ولي رئاسة الكتاب في العهد الهاشمي، ثم تولى قضاء جده، ثم صدر أمر ملكي في العهد السعودي بتعيينه عضواً في رئاسة القضاء. أما حسين فقد تولى التدريس في الحرم النبوي بالمدينة المنورة وداوم عليه، وتخرج على يديه مدرسون وقضاة ومصلحون، من بينهم محمد البشير الإبراهيمي أحد قادة حركة الإصلاح والتحرير في الجزائر.([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وإبان قيامه في التدريس في المسجد النبوي الشريف ، مع زمرة من العلماء المدنيين في الثلث الأول من القرن الرابع عشر الهجري ، كان من بين تلاميذه في حلقات العلم في المسجد الشريف عبدالحميد بن باديس زعيم الثورة الجزائرية ومربي أجيالها ، حيث دار بينه وبين شيخه حسين أحمد حديث يعكس دقة تلمس الشيخ لأحوال تلاميذه ,وأحوال بلادهم المقاومة للاستعمار في ذلك الوقت « فما كان من الشيخ إلا أن قال لابن باديس لماذا هجرت الجزائر وتقيم في المدينة؟ أتحسب أن هذا لتصنع به استقلال الجزائر وتحارب به استعمار فرنسا؟ عد إلى الجزائر فالجهاد هناك؟»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ويقول محمد حسين زيدان الذي أورد هذا الحوار: «سمعها ابن باديس وعاد ، فكأنما السيد حسين أحمد قد نظم الخطة لجهاد الجزائر في المسجد النبوي»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وعندما بدأت الحرب العالمية الأولى، سافر حسين إلى مكة والطائف، وطُلب منه أن يفتي بالخروج على الحكومة العثمانية، تحقيقاً لمصالح القوى المتحاربة آنذاك، وتأثيراً على الرأي العام في توظيف الفتوى في تعبئته وتوجيهه، فامتنع. فكان جزاؤه النفي إلى (مالطا)، وبعد نهاية الحرب عاد إلى الهند، واستمر في التعليم والإصلاح الديني والاجتماعي، وتسنَّم منصب رئيس العلماء في الهند.([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وفي هذا المحضن الأسري نشأ وشبَّ أحمد الفيض آبادي، حيث أسرة مشغولة بطلب العلم ونشره والإخلاص لمبدأ المعرفة، وتحمل المشاق دون التنازل عن الموقف أو المداهنة والتراخي في سبيله. وهي مغذيات قيمية، انبنى عليها عماد شخصيته وتبلورت من خلالها تطلعاته واستبان هدفه.
وكان قدر المهاجرين إلى المدينة، منذ تأسيس النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم هذا المسلك العظيم (الهجرة إلى المدينة) الإخلاص للقرار والاختيار، واحترام مقتضياته، وتحمُّل المكابدات الأليمة من أجله. وتكاد المسافة التاريخية بين زماني الهجرتين تتقاسم العناء وتكسب المعنى، يتحقق فيها شكل وجوهر التحول والانتقال من مكان إلى آخر؛ من الوطن القدري، إلى الوطن الاختيار، بكل ما يترتب على ذلك من استحقاقات، وما يمثله من قيمة ومعنى.
وقد شهد القرن الهجري الحادي عشر، البدايات الفعلية لهجرة علماء الهند خاصة، وغيرهم من مختلف الأقطار الإسلامية إلى المدينة المنورة، مما أسهم في تلوين تركيبتها الديمغرافية وإثرائها، وتشكيل نسيجها الاجتماعي والثقافي، والإسهام في نهضتها العلمية.([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وأسرة الفيض آبادي ليست بدعاً في هذا السياق، بل مثال يتناغم معه. شكّل المهاجرون من خلاله واحداً من أهم مكونات المجتمع المدني ورموزه التنويرية ونسيجه الثقافي.
إن تشعب اهتمامات أسرة الفيض آبادي، وتنوع إسهامات أبنائها: (أحمد، وحسين، ومحمود) في العلم والتعليم والقضاء؛ يقدم صورة ناصعة من صور إسهام المهاجرين المتأخرين، ومراكمتهم لمنسوب المكوّن العلمي الثقافي بالمدينة المنورة، وانتظامهم في نسيج المجتمع المدني، واستثمار قابليته للانفتاح والتفاعل، ليكونوا قيمة نوعية محورية في هذا الاتجاه بالمدينة، مما يغذي ويُغني العنصر الثقافي والاجتماعي المكوَّن من ثقافات شتى وبيئات مختلفة، من أبرزها شبه القارة الهندية، ومثالها في موضوعنا هذه الأسرة وسلالتها.
يقول أحمد الفيض آبادي: «منذ وصلت إلى المدينة المنورة مهاجراً مع الوالد عام 1316هـ، تعلَّق بذهني مشروع إنشاء مدرسة لتعليم أبناء هذه البلدة المطهرة، ما يعيد إليهم مجد أسلافهم في ناحيتي العلم والعمل، وظلت هذه الأمنية عالقة بذهني حتى كانت سنة 1334هـ..»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
فقد كانت فكرة البعث، بعث الدور العلمي للمدينة المنورة، تختمر في ذهن المؤسس، وتراود مخيلته طيلة ثمانية عشر عاماً، وتخلُص من كونها فكرة وتصوراً ذهنياً إلى مجالها التنفيذي وميدان تحققها. وظل الفيض آبادي على قناعة راسخة بضرورة الاهتمام بالعلم إلى جانب العمل.
فلم يرد بدءاً أن ينحصر مشروعه في مؤسسة تقدم العلوم النظرية الشرعية فحسب، بل العلم والعمل خطان يتكاملان، ولذلك اختط المؤسس هدفه مبكراً بأن تُعنى مدرسته بالجانب العملي والعلمي الصناعي، ليؤسس لقيمة العمل ما ينهض بها من منهج تعليمي وطاقات وكوادر، وقد عبر عن هذا الهدف بقوله: «تأسست هذه المدرسة لغايتين شريفتين هما: إحياء العلوم الشرعية بهذا البلد المقدس، وحفظ القرآن الكريم، ولأن الصناعة فرع قائم بذاته ترتكز عليه الحياة اليوم، افتتحت لها الإدارة فرعاً يدخله من يريد من الطلاب أن ينتفع من هذا الفن الحيوي العظيم، وتشوِّق الإدارة طلابها إلى الانخراط في هذا المسلك لأن به قوام المعيشة اليوم»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ومن ثم فإن فكرة الإحياء والبعث، كانت ملحَّةً على ذهن المؤسس، وكان يتطلع للقيام بما ينهض بها من خلال المدرسة، وكان اهتمامه بحفظ القرآن ودراسة العلوم الشرعية، موازياً لاهتمامه بالتعليم الصناعي الذي يتطلبه واقع حياة الناس وتقتضيه ضروراتها؛ وبذلك تكون مدرسة العلوم الشرعية من أول اللبنات الأساس لهذا الفرع من التعليم، وهذا النوع من الاهتمام بالمدينة المنورة في تلك الحقبة.
ولكي يبدأ الفيض آبادي بالإجراءات الفعلية للتأسيس، ولم تكن قدراته المالية مواتيةً لذلك، عَرض تفاصيل مشروعه على أحد أقربائه من الهنود الأثرياء، فتبرع له بمبلغ (17000) روبية، فدفع ذلك الفيض آبادي إلى أن يُقدم طلباً للحكومة التركية بشأن تأسيس المدرسة، فرفضت الحكومة التركية طلبه، وأمرت بتحويل المبلغ لإنشاء جامعة إسلامية.([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى سافر الفيض آبادي إلى مدينة (أدرنه) في تركيا، ضمن رحلة تهجير أهل المدينة (سفر برلك)، وفي عام 1337هـ عاد إلى المدينة، ولم تزل فكرة إنشاء المدرسة تراوده برغم ما مُني به في محاولته الأولى من خذلان. وفي عام 1339هـ قدم أحد أقربائه من الهند، ووضع نقوده أمانة لديه، فرأى الفيض آبادي أن يطرح عليه فكرة المشروع، فوعده بالمساعدة بعد عودة ذلك القريب إلى الهند، ومن ثم أرسل له مبلغ (40) جنيهاً، ابتدأ بها أحمد الفيض آبادي إقامة مشروعه في محرم 1340هـ([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ولم يحل المهيمن السياسي ولا الظرف الدولي إبان الحرب، ولا قلة ذات اليد دون أن يبدأ الفيض آبادي مشروعه، بل تجاوز ذلك كله، مرة بتحمل هيمنة السياسة وحساباتها، ومرة بتحمل عذابات الرحيل القسري عن المدينة، حتى العودة إليها، وثالثة بشراكة المال الهندي ببذرة تنوير يغرسها الفيض آبادي بالمدينة، بالقرب من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. واستمر ينتظر انبثاقها، ويرعى ثمارها بكياسة ودراية يتعامل بها مع الظروف، يقول : «..ولاحظت أن المبلغ في حد ذاته ضئيل، فإذا افتتحت به المدرسة بكيفية واسعة، فإنه سرعان ما ينفذ، وبذلك يقف المشروع ولما يتجاوز خطواته الأولى، وتلافياً لذلك الانهيار، قررت السير في طريق الاقتصاد، فجعلت المصروف على قدر الوارد..»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
لقد كان المؤسس واعياً بما تواجهه مراحل التأسيس- في المشاريع الكبرى- من ظروف وعثرات، ولكي يظل بمنأى عنها؛ تعامل مع تلك الظروف بما يتلاءم مع مستجدات قد تطرأ وتعرقل سيره في الطريق الذي اختاره.
ولما كان وجدانه متعلقاً بالجوار الكريم، متطلعاً إلى إيفائه حق الجيرة بناءً وحسن صنيع، مضى في التدرج في إقامة ذلك الكيان العلمي، حتى وصفه الأنصاري بـ«أحد بناة العلم في الحجاز الحديث»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ونصَّ الفيض آبادي في صك الوقف الخاص بالمدرسة، على أسس وشروط تحدد أهداف المدرسة ودورها فقال: «..وإني قد وقفتها مع جميع لوازمها لله تعالى، وحبستها وخلَّدتها وقفاً صحيحاً شرعياً وحبساً صريحاً مرعياً، وجعلتها مدرسة لقراءة القرآن الكريم وتعليمه، ومدارسة علم التوحيد والتفسير، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وشروح ذلك، والفقه على أصول الأئمة الأربعة، وجميع ما يلزم ويُستحسن تعليمه وتعلُّمه، من العلوم النقلية والعقلية للوصول إلى علوم الدين، والفنون العملية والصناعية، وسمَّيتها (مدرسة العلوم الشرعية ليتامى خير البرية) متضرعاً إلى الله عز وجل أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفع بها الإسلام والمسلمين، وقد شرطت في صلب وقفي المذكور شروطاً أصررت عليها، وجعلت المرجع والمصير إليها، منها أن طلبة المدرسة كل طفل أو شخص صالح للتعليم، بدون تخصيص جنس أو قوم أصلاً، ولا تفضيل لأحد على آخر إلا الأيتام، فإنهم مقدَّمون في القبول في المدرسة المذكورة على غيرهم من الطلبة، لأن أصل تأسيس المدرسة للأيتام القاطنين بالمدينة المنورة من أي جنس كانوا..»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وبذلك راعى المؤسس طبيعة التكوينات المجتمعية السائدة بالمدينة المنورة، والظروف والأحوال الأسرية لعامة الناس بها كما أكَّد على أمور أخرى تتعلق بالمنهج الدراسي، و بشروط قبول الطلاب والدارسين؛ حيث أكَّد على اختصاص المدرسة بتعليم القرآن، وعلوم الدين والفقه على الأصول الأربعة مراعياً طبيعة الفضاء الثقافي الديني للمدنيين، وعنايتهم بهذه العلوم خاصة، فيما كان يشهده المسجد النبوي الشريف من حلق ومجالس علم تتعاطى هذه العلوم تعلُّماً وتدريساً. وراعى تنوع الاتجاهات الفقهية المذهبية التي كانت سائدة في المجتمع المدني، دون اعتبار لمذهب دون غيره في إطار مشهد الدراسة والتعليم. مما يشير كذلك إلى شخصيته الواعية والمنفتحة.
كما أكَّد على قضية تعلُّم الفنون العملية الصناعية ودراستها، وفقاً لما تقتضيه طبيعة الواقع ومتطلبات حياة الناس.
وفي شروط القبول التي أكَّد عليها، ما يعكس حرصه على أن تصل الإفادة من هذه المدرسة حدها الأقصى عبر إقرار مبدأ الصلاحية للتعلُّم من أي جنس أو لون، مع إعطاء الأولوية للأيتام، حيث يؤكد أن المدرسة أُسست أصلاً من أجلهم. وفي ذلك نموذج للرعاية الاجتماعية والتكافل الإنساني.
ومما يشير إلى إدراكه لطبيعة التكوين المجتمعي بالمدينة المنورة؛ تجاوز الأصول العرقية والجنسيات في شروط القبول، التي تقوم أساساً على توفر شرط الرغبة في التعلُّم والصلاحية له فقط، دون أي شرط آخر يقيِّد الراغبين في التعلم والدراسة.
وقد بدأت المدرسة في مبنى متواضع، مستأجر من ناظر وقف أغوات المسجد النبوي الشريف، ظُلِّلت بعض أجزائه بما يشبه العريش أو الصندقة، جوار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المنطقة الأثرية، التي كانت في صدر الإسلام منازل للصحابة والتابعين.([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
ولعل اختياره للمكان، يحقق معنى الجوار لمدرسة الإسلام الأولى، التي أسسها المصطفى عليه الصلاة والسلام في مسجده الشريف؛ الأمر يمنح مدرسة العلوم الشرعية شيئاً من الخصوصية والجلال، وهي تواصل مهمة أرادها لها المؤسس وهي:«إخراج جيل من أبناء المدينة المنورة الشريفة، قادراً على خوض غمار الحياة، متسلحاً بما يفيده في آخرته ودنياه»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وفي العام 1352هـ ازداد الإقبال على المدرسة حتى ضاقت بطلابها، فعمد الفيض آبادي إلى شراء المباني المحيطة بها من الجهتين الشرقية والغربية، لتوسعة المدرسة وإعادة بناء مقرها، وبدأ التعمير بالفعل عام 1352هـ وكان على طراز إسلامي بديع، مبني بالحجارة السوداء المنحوتة، وقبل استكمال العمارة، بدأ المؤسس يتعرض لنوبات قلبية ألزمته الفراش، فتوفي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته. في شوال عام 1358هـ.
ويصف عبدُ القدوس الأنصاري شيخَه الفيض آبادي، بما ينمُّ عن معايشة ومعرفة عميقة، فيراه «متواضعاً بسيطاً كأبلغ ما يكون التواضع، بسيط في نفسه، بسيط في ملابسه التي لا تتجاوز قلنسوة حجازية بيضاء صغيرة ملتصقة بالرأس، تحتها ثوب من القماش الأبيض، ذو مظهر ومخبر بسيطين، لا يكلف أحداً بخدمته أو قضاء مآربه الشخصية، على كثرة من يرغبون له في ذلك إليه... ينطوي على مرضه ولا يشتكي إلى أي مخلوق، وقد تركَّز الحلم في طبيعته.. ومن طبيعته المداعبة والمزاح الخفيف، الذي لا يجرح عاطفة ولا ينكأ قروحاً... شديد المحافظة على فروض الإسلام، حريص على القيام بسننه ونوافله، يقوم بذلك عن طواعية، وعن واعز من الضمير المستقيم.. وكان يتعاطى الشاي ممزوجاً بالحليب في أوقات محددة معينة، ويرى أنه أصلح للجسم من تناول الشاي وحده، وقد يستعمل التمبول الهندي»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وتدلُّ هذه الأوصاف على شخصية قريبة من الناس، متوافقة نفسياً ومظهريّاً مع عامتهم، تعتاد ما يعتادونه وتألف ما يألفونه، مع عصامية وخلق نبيل، وتواضع جمّ، ونكران للذات. فلم ينشغل الفيض آبادي بزوجة أو أولاد، إذ كانت المدرسة بيته وملاذه، وشاهد حلمه الوحيد، ورسالته التي أفنى عمره لأجلها.
ومن ثم كان الأنصاري كلفاً بشيخه، يشير وصفه له بالاعتداد والإكبار، وقد أراد تخليد ذكره، وتدوين أوصافه الخَلْقية والخُلقية، فلامس بحميمية وعفوية ضروباً من يومياته ونشاطه الحركي وسجَّلها، وجلَّى صفاته المعنوية وقوام شخصيته الفاعلة، وما تتوافر عليه من حزم وعزم وتواضع وبساطة وتُقى.([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
ولم تدم حياة الفيض آبادي مع العلوم الشرعية أكثر من ثمانية عشر عاماً، منذ تأسست إلى أن توفي. سبقتها إرهاصات وتفكير، وإقدام على تحرير الفكرة وتنفيذها والسير بها نحو الوجود والتحقق، وواجه في سبيل ذلك معضلات وموانع سياسية ومآزق مالية، تجاوزها بإصرار وهمة لا يفتران.
وعندما توفي نعاه الأصدقاء والزملاء، تلاميذه ورفاق دربه شعراً ونثراً يعكس مكانته في النفوس، وتقدير الناس لدوره وكفاحه. ويجلِّي ملمحاً من ملامح حركة الأدب في المدينة المنورة آنذاك.
فقصائد التأبين التي كتبها الشعراء عبد الحق رفاقت علي، وعمر بري، وعبد القدوس الأنصاري، ومحمد هاشم رشيد، في الفيض آبادي([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])؛ تفصح عن مدى لوعة هؤلاء الشعراء والصحب والتلاميذ، وشعورهم بفادحة الفقد، وتمثِّل نماذج من شعر الرثاء عند الشعراء المدنيين، المتوافر على قدر الإحساس بقيمة الفقيد، وقيم تعبيرية ودلالية أخرى.
إلا أن ما يستدعي الملاحظة كذلك، المقالات النثرية التي كُتبت في ذات الغرض، ومنها ما كتبه أحمد رضا حوحو، الذي نعدُّ مقاله – بالإضافة إلى قيمته الأدبية – مقياساً نستشعر من خلاله رأي المثقفين في شخصية الفيض آبادي، وتقديرهم لدوره في حياتهم، وفي مجتمع المدينة المنورة في ذلك الوقت، حيث يقول:
«..ثق أيها الأب الجليل.. بأننا لم نقف في هذا الموقف لإرضاء أحد أو مداراته، وإنما لإرضاء أنفسنا المتألمة لفقدك، لمحاولة إطفاء نيران قلوبنا المشتعلة من لوعة فراقك... باسم أولئك الأبناء البررة الذين كنت تحرص على راحتهم وتسهر على تقدمهم أكثر من حرصك على راحتك؛ لأن راحتك لم تر لها يوماً قيمة في سبيل جهادك المتواصل في سبيل الدين والعلم، باسم أولئك أيها الأب العزيز أقف على هذا المنبر المتواضع أبكي فقدانك المؤلم... اليوم وقد فارقتنا فهل يسرك أن نبقى محافظين على مبدئك السامي.. ألا وهو (الحقيقة فوق كل شي)؟!. نم هنيئاً ، فسنتمسك بهذا المبدأ ما بقينا، ولكن بعدما نقشنا ذكرك في سويداء قلوبنا.. رحمك الله أيها الأب الراحل..»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وتشكِّل هذه الكلمة نموذجاً لأدبيات التأبين، يحررها أحد الضالعين بالكتابة وفنونها من خريجي مدرسة العلوم الشرعية، والمبرزين من أدباء المدينة في القرن الرابع عشر الهجري.
وممن شاركوا الفيض آبادي بدايات تأسيس المدرسة، طالباً فمدرساً فيها. ومن ثم كان تقديره للفضائل التي يتحلَّى بها الفيض آبادي، نابعة من قربه منه ومعايشته لجهاده العلمي، وإحساساً حميماً بأبوته الحقيقية، وإيثاره الجم لأبنائه من طلاب المدرسة، وانحيازه للحقيقة، بحمولة تلك العبارة التي وضعها حوحو بين قوسين، والتي يبدو أنها من لوازم حديث الفيض آبادي، وشعاراً كان يدعو إليه ويتمثله في تعامله ومواقفه.
وحوحو، كاتب متمرس وناثر محترف، يدرك قيمة الكلمة ويستشعر أبعادها. ولذلك فإن حديثه يتجاوز فورة الشعور الأليم بالفقد، والموقف الانفعالي للعواطف، إلى وعي بدلالات الكلام ، وقصد إلى مراميه. ولذلك كان الفيض آبادي في نظره مجاهداً في سبيل الدين والعلم، وصاحب مبدأ تجاه الحقيقة.
ولعل سيرة الرجل وصنيعه في العلوم الشرعية، تشكِّل تمثلات لتلك القيم والمعاني، وترجمة فعلية لها.
كما أن حوحو كذلك يمثل فرداً من جمع كبير من المبرزين في مجالات التعليم والأدب والقضاء، من رموز المجتمع المدني، الذين تأسست لبنات وعيهم المعرفي في رحاب مدرسة العلوم الشرعية، ويشكِّل الفيض آبادي لهم قيمة رمزية ومظلة أبوية، تربوا في ظلالها السنية ونهلوا من معينها الفياض.
كما خفت الصحف السيارة في ذلك الوقت، مثل أم القرى، وصوت الحجاز، ومجلة المنهل تنعي الفيض آبادي، وتذكر مآثره، فنعاه غير شاعر وناثر، مما يعكس المكانة التي تميز بها الرجل في المجتمع العلمي في المدينة، وتقدير دوره البارز في نهضتها العلمية.
v العلوم الشرعية..تطلعات المؤسس،ومخرجات المدرسة:
نحاول في الصفحات الآتية استجلاء الدور الثقافي الرائد لمدرسة العلوم الشرعية، وكيف أدارها الفيض آبادي، وأسَّس فيها قيماً جديدة لمبادئ التعليم وأهدافه، في المنهاج الدراسي ونوعية المدرسين والدارسين، ومدى إضافة المدرسة لمجتمع المدينة المنورة، وتأكُّد دورها الاعتباري المهم في منظومة المؤسسات الكبرى، ودور المؤسس الثاني فيها، وما يتقاطع مع ذلك من موضوعات.
وكان الأنصاري قد دوَّن في كتابه معطيات ذلك، واستعرض بعضاً من تجلياته. فيما كان الخطراوي أكثر استيعاباً لهذا الدور، حيث قرأ سجلات المدرسة وتقاريرها السنوية، ولوائحها التنظيمية، ونظمها الإدارية، والمكاتبات المتبادلة بين مؤسسها الثاني وملوك الدولة السعودية رحمهم الله، وأسماء خريجيها، وآراء الشخصيات العلمية والأدبية، والسياسية الرسمية، الذين زاروها. ولعلنا نستخلص من ذلك ظواهر ورؤى منها :
أولاً : الشكل المعماري والتصميم الهندسي لمبنى المدرسة. فقد كانت حتى المرحلة الثالثة من بناء مقرها، تتخذ من الطابع المعماري السائد في المدينة المنورة شكلاً لها، حيث بنيت بالحجارة السوداء المنحوتة، متناغمة مع الطابع العام للدور والمجاورات المبنية بذات المواد، لتمثل واجهة هندسية ومعلماً بصرياً لافتاً في مكوناته وأبعاده الجمالية، وكان ذلك محققاً لانتمائها البيئي في هذا المجال للمدينة المنورة.
ثانياً : يضم سجلّ مدرسيها حتى العام 1358هـ -الذي توفي فيه المؤسس- وما بعده أسماء عديد من الرواد في مناحٍ حيوية شتى،كالتعليم، والقضاء، والصحافة، والكتابة السردية، والشعر، والمكتبات، والترجمة، مثل: محمد الطيب الأنصاري، ومحمد الحافظ موسى، وعبد القدوس الأنصاري، وأحمد رضا حوحو، ومحمد سلطان نمنكاني، وعبد الرحمن عثمان، وغيرهم.
ثالثاً: مكونات وسمات الوثائق الرسمية الخاصة بها مثل:
أ‌- شهادة الإذن: حيث نجد في صيغة الإذن بفتحها قبل العهد السعودي ما نصه: «بناء على المرافعة الواقعة من طرف السيد أحمد فيض آبادي الهندي المقيم بالمدينة المنورة، في شأن فتح مدرسة لتعليم القرآن الكريم، والعلوم الدينية والشرعية بالمدينة المنورة، صار عرض الكيفية والاستئذان، فصدرت الإدارة السنية الملوكاتية برقياً بتاريخ 6/شوال 1341هـ -عدد 609، بالإذن بفتح المدرسة المذكورة، تحت مراقبة مديرية المعارف الجليلة، فعليه أنتم مأذونون بفتحها، خدمة للعلم والدين والوطن، ولذا أعطيت هذه المأذونية، 20/شوال 1341هـ»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وتعكس لغة هذه الوثيقة وأسلوب صياغتها طبيعة التقاليد الثقافية السائدة وأدبيّاتها في ذلك الوقت، ومواصفات الذهنية الإدارية، بما تتضمنه من توصيف دقيق ومباشر للمؤسس صاحب الطلب، واختصاص المدرسة، والهدف الذي يريد المهيمن السياسي أن تعمل لأجله، ووضعها تحت رقابة مديرية المعارف. وعبارات التفخيم التي توصف بها الطبقات السياسية والإدارية في ذلك العهد.
ب‌- شهادات التخرج: ومنها شهادة حفظ القرآن الكريم، وقد صمِّمت بشكل يحيل إلى الطابع الزخرفي والجمالي الإسلامي، وتعدُّ البسملة والآيات القرآنية من مكوناتها الأساس. وينصُّ فيها على اسم التلميذ، ولقبه، وعمره، وأخلاقه، وتبدأ بعبارة: (بمنِّه تعالى).
وكذلك شهادة إتمام الدراسة الابتدائية، وتشمل نفس المكونات السابقة، مع اختلاف طفيف في التفاصيل.
وبقدر التزام تصميم هذه الشهادات بالطابع الرسمي، فإن عناصره وتكويناته تدل على ذوق جمالي رفيع في الاختيار والصياغة والإخراج.
رابعاً: المقررات الدراسية.
تتميز هذه المقررات بقيمتها النوعية وعنايتها بالتأسيس المعرفي، والتأصيل الجاد بعيداً عن الحشو والتكرار، مع مراعاة مراحل النمو للطالب ذهنياً ونفسياً ووجدانياً. ونعرض مثالاً لذلك بمقرر الصفوف الثلاثة الأُوَل:-
· ففي الصف الأول يتعلم الطالب ما يلي:
1- كتابة الحروف الهجائية وقراءتها.
2- معرفة الحركات والسكنات والتشديد.
3- قراءة الألفاظ الثلاثية والرباعية.
4- كتابة الأعداد الحسابية وقراءتها إلى الألوف.
· وفي الصف الثاني يتعلم الطالب ما يلي :
1- قراءة وكتابة الجمل الصغيرة والتراكيب الموجزة.
2- الجمع والطرح.
3- مبادئ الخط والإملاء.
· وفي الصف الثالث يتعلم الطالب ما يلي :
1- القراءة العربية في كتب مشكَّلة (أي معربة بالحركات).
2- الخط والإملاء.
3- الضرب والقسمة مع حفظ جدول الضرب إلى عشرين.([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
ونلاحظ أن مواد هذه المقررات وموضوعاتها، معنية بتأسيس الطالب بالمبادئ الرئيسة لكل علم، من جوانب ثلاثة هي: القراءة والكتابة والحساب، مراعية الاحتياج الفعلي للطالب والتدرج في تزويده بالمهارات والمعارف الضرورية، بعيداً عن الإفراط في الكم إلى الاهتمام بالنوعية.
وهو ما يعكس وعي أولئك المعلمين بمسالك التعليم ومراحله، والتربية والتأسيس ومقتضياتهما، كما نجد أن هذه المقررات تتدرج وتتراكم مراعية التخصص بحسب الأقسام الدراسية التي تضمها المدرسة، ومراعية كذلك تقدُّم وعي الطالب ونمو مداركه.
ففي الصف الخامس مثلاً في شعبة القرآن الكريم. يدرس الطالب خمسة عشر مقرراً هي: القرآن الكريم، ومبادئ التجويد (كتاب مغني المستفيد في أحكام التجويد)، وكتاب (نور الإيضاح) في الفقه الحنفي، وكتاب (دليل الطالب) في الفقه الحنبلي، وكتاب (متن أبي شجاع) في الفقه الشافعي، وكتاب (العشماوية) في الفقه المالكي، كل بحسب مذهبه من الدارسين. كما يتعلم الطالب التوحيد (العقيدة الواسطية) ويقرأ كتاب (العزّى) في الصرف، ويقرأ كتاب (القطر) في النحو، ويتمرن على حسن الخط، ويقرأ الدروس الأخلاقية، وتاريخ الإسلام، والجغرافيا، والهندسة، ودروس الأشياء (أي العلوم)، والإنشاء، واللغة العربية، والكسور الاعتيادية المركبة، والتناسب، والحساب التجاري، ومسك الدفاتر([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ومن ثم نجد أن جانب الفقه والمعاملات في هذه المقررات، يحتوي على المذاهب الفقهية بدون إقصاء مذهب لصالح مذهب، وبدون إجبار الطالب على مذهب دون آخر، بل تزرع في الطالب مبكراً فضيلة احترام مذهبه واختياره، تناغماً مع الجو الثقافي والاجتماعي السائد في المجتمع المدني وتنوعه، وتمثلاته الأخرى في حلقات التعليم في المسجد النبوي الشريف، التي تتكامل مع دور المدرسة وتفتح لها أفقاً روحانياً وعلمياً رحباً، وتشترك مع المدرسة في صياغة قيم العلم والمثل الإنسانية ومقاصد الدين القويم، بمعنى أن المدار المدرسي وأجواءه غير منفصلة عن المدار الواقعي والحياتي اليومي للطلاب، بل كلها وحدة متجانسة من التنوع والحرية، مما يحقق بناء الذات علمياً وقيمياً على ذلك النحو.
كما نلحظ في دروس اللغة العربية وعلومها؛ الاعتماد على الأصول المعتبرة في هذا الحقل، مما يجعل تلك الأصول المنبع الأول لمعرفة الطالب بعلوم اللغة وأصولها، نحواً وصرفاً؛ ليؤسَّس على هذه القاعدة الثرية في موضوعاتها وطرائق عرضها، بعيداً عن التبسيط المخلّ، الذي يعرض النتائج معزولة عن مقدماتها الأصلية وسياقها الطبيعي، كما أنها تربط الطالب بالمصادر الأساس لهذه العلوم. بالإضافة إلى العلوم الأخرى كالرياضيات، والمبادئ العلمية الإدارية فيما سُمِّي بالحساب التجاري ومسك الدفاتر، التي أضحى لها اليوم معاهد متخصصة، وبذلك تعقد المقررات الدراسية شراكة معرفية بين العلوم الدينية والدنيوية التي يتطلبها واقع الحياة. ويتم التدرج في هذا المسلك من التخصصات في السنة اللاحقة، لتشمل مراجع علمية أصيلة أخرى يدرسها الطالب، تربطه بالموروث المعرفي على النحو الذي رأينا مثاله آنفاً، وقد أُعدَّ الطالب مهارياً وعلمياً لفهمها واستيعابها. ويُراعى ذلك في الشعب التخصصية الأخرى.
خامساً : تقارير المدرسة.
في التقرير الأول الذي يتكوّن من (36) صفحة، ويغطي الفترة من 1341-1344هـ يبدأ بمقطوعة شعرية تربوية وتقريرية مباشرة، تدعو إلى القيم الدينية والأخلاقية والعلمية، وهو تقليد ربما لم يشع في التقارير الرسمية - قد تبرره طبيعة نشاط المنشأة - ثم أسماء الخريجين والجوائز الممنوحة لكل منهم. وهي غالباً كتب مرجعية مهمة في الحديث والفقه وعلوم اللغة العربية، ويُستشف من عناوينها المستوى العلمي الذي وصل إليه الطلاب، إذ روعي فيها ملاءمتها لمستواهم العلمي، كما قد يكافؤون أحياناً بمبالغ مالية يحدد مقدارها في التقرير.
وقد وُضعت هذه الجوائز في حقل عُنون له بـكلمة: (إنعام) ودوِّن التقرير باللغة الأوردية([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])، ويشتمل التقرير كذلك على الأنظمة الإدارية والتربوية التي تسير عليها المدرسة، والحسابات المالية، ووصف للمرحلة التي وصلت إليها التحسينات والإضافات في عمارتها، وشهادات تقريضية لبعض الزائرين.
وتجسد هذه التقارير النظام الإداري الصارم في المدرسة والدقة فيه، وفقاً لما اختطه المؤسس وحرص عليه في منهجه الإداري.
فيما أُشير في التقرير الثالث إلى أنه قد «فاز في السنة السادسة ثلاثة أطفال بتكميل حفظ القرآن الكريم بكمال الضبط والإتقان وهم : محمد الحافظ موسى -من سكان البادية – إبراهيم اليتيم، وحامد خليل، فبلغت عدة مكملي الحفظ في ظرف ست سنوات عشرة كاملة.. كما أنه قد أكمل دراسة العلوم العربية العالية التلميذان النجيبان: محمد عبد الله، والشيخ عبد القدوس في هذه السنة المباركة..»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وبعد إكمال حفظ القرآن يترقَّى الطالب من شعبة القرآن الكريم، إلى شعبة العلوم العربية الابتدائية.
وإذا كان محمد الحافظ موسى المنوَّه عن حفظه القرآن في القسم الابتدائي في المدرسة، قد صار من أشهر قضاة المدينة المنورة وعلماء مسجدها الشريف، فإن التقرير السادس للمدرسة الصادر عام 1349هـ -قد حوى كلمته في حفل التخرج السنوي للمدرسة، بدأها بأبيات خطابية تبيِّن فضل العلم والأخلاق، ونبل السعي في سبيل تحصيلهما، غير أن ما يحسنُ التوقف لديه في هذه الكلمة، هو ما تلا الأبيات حيث قال: «..فالعلم هو الواسطة الوحيدة للكمال والهادي إلى حقيقة الإيمان. إن العلم الحقيقي ما أكسب العقل والإرادة قوة، فقوَّاهما وأنارهما، لأن العقل والإرادة هما اللذان يميزان الإنسان عن غيره، لا مجرد النقل، إذ النقل قد يكون حتى بالجماد... فإننا حيثما نظرنا نرى للنهوض أثراً، وللعلم معنىً جديداً، فهذه البعثة الحجازية قد أثمرت ثمرها المرغوب، وأخرجت لنا من خير أبناء الحجاز، من نؤمل فيهم الوطنية الصحيحة، والإخلاص الأكيد»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
والمتأمل للبنية النصية والدلالية للكلمة، والعقيدة الثقافية التي تقوم عليها، يرى فيها حقائق معرفية ورؤية عميقة، قد تكون أكبر من أن يدركها طالب في ذلك المستوى الدراسي. ولكننا نقرأها بظروف عصره ومناخه الثقافي، وبالنظر إلى نوعية التحصيل العلمي لطلاب العلوم الشرعية، وباعتبار نوعية المدرسين وفلسفة التعليم آنذاك. فلا غرو إذن أن ينهض الطالب محمد الحافظ موسى بهذا المستوى من الوعي بالعلم الحقيقي ومكتسبات العقل منه، وبدور العقل والإرادة وقيمتهما، وبدورهما وأهميتهما إزاء النقل، وبمعنى العلم وإضافته للإنسان وحياته ودوره في النهوض، وبفكرة البعث التي كانت تسيطر على أذهان أبناء ذلك الجيل، بعثٌ يُؤمَّل معه وطنية صحيحة وإخلاصاً أكيداً.
فهل لنا بعد ذلك أن نعدَّ هذه الكلمة، مثالاً على طبيعة الوعي الثقافي الذي ساد في المدينة المنورة، وشكَّل فضاءً تعددت تمثلاته وتطبيقاته خلال تلك الحقبة في مدرسة العلوم الشرعية وبين طلابها ؟
يقول الطالب محمد أسعد رضوان في الصف الدراسي نفسه، الذي كان فيه محمد الحافظ موسى، وبالمناسبة ذاتها: «..وأي عمل أكبر من نشر الثقافة والعلم، بين أمة كادت أن تصبح في معزل عن الثقافة والعلم، وكاد صرح بنائها العالي القويم يتهدم، وفي الحقيقة أنه عمل حي، وواجب إنساني مقدس يستحق كل إعجاب وتقدير وتشجيع..»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
إن مضامين هاتين الكلمتين، تتجاوز معتاد الخطابات المناسباتية المماثلة؛ لتقرر حقيقة العلم وفلسفته ودوره في النهضة والبعث الثقافي، وإسهامه في فك العزلة عن الأمة، وانفتاحها على محيطها العلمي وأفقها الإنساني، وأهمية التفكير العقلاني الحر، وقيمة الإرادة وفاعليتها وأثرها، ونبذ العزلة والتحذير منها؛ مما يدل على وعي أبناء تلك الحقبة من طلبة المدرسة بواقعهم ومتغيراته، و يعكس طبيعة الثقافة السائدة في مجتمع المدينة العلمي في ذلك الوقت، واتجاهات القيم المعرفية التي توجه مثل تلك المؤسسات التعليمية، ويتأتى مثالها الرمزي-كما في الكلمتين- في ذلك المستوى من الوعي والبيان.
ونجد أن حرص المدرسة على إشراك طلابها في الإسهام الفعلي في برامج تلك المناسبات، يتجاوز ما تقتضيه آنية المناسبة والطابع الاحتفالي والتشجيعي، إلى غرس الثقة في نفوس الطلاب، ومنحهم حرية التعبير عن أفكارهم ورؤاهم.
سادساً: التزاماً بصك الوقف الشرعي للمدرسة، فقد خَلفَ السيدُ حبيب محمود أحمد، عمَّه السيد أحمد الفيض آبادي في إدارة المدرسة وتولي مسئولياتها، وذلك في العام 1358هـ، ولاقى تعيينه في هذا المنصب اعتراضاً من مديرية المعارف، لصغر سنه، وجرت مكاتبات ومخاطبات في هذا الموضوع، آلت إلى تأييد تعيينه مديراً مسئولاً عن المدرسة بموجب أمر سامٍ صدر بتاريخ 15/8/1359هـ([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])، وقد أخذ الخلف من السلف الحماسة والإخلاص والتفاني لكل ما من شأنه الارتقاء بالمدرسة وتطويرها، حتى عُدَّ المؤسس الثاني لها، فاهتم بها في جميع شئونها، وباشر مهام تطويرها وإدارتها بنفسه، مع جمع من المعاونين، وحرص على أن يكون لها حظوة لدى ملوك المملكة العربية السعودية منذ الملك عبد العزيز إلى الملك فهد رحمهم الله. حيث دعا الملك سعود لافتتاح مبناها الجديد بالقرب من المسجد النبوي الشريف عام 1378هـ، فأجابه الملك وحضر حفل الافتتاح. ويعدُّ سجل المكاتبات بين ملوك الدولة السعودية والسيد حبيب، وجهاً من وجوه العناية التي أولاها قادة البلاد لهذه المدرسة والاهتمام بشأنها.
كما أدت تلك العناية -مع طابعها الرسمي وقيمتها المعنوية -إلى أن تكون المدرسة من أبرز المؤسسات التعليمية والمعالم الرئيسة في منظومة المؤسسات المهمة بالمدينة المنورة، التي تكون زيارتها ضمن البرنامج الرسمي لزيارات كبار المسئولين للمدينة المنورة.
إذ فاقت شهرتها حدود المملكة، وأضحت معلماً يحرص ضيوف الدولة والشخصيات العلمية على زيارته، حيث زارها -إضافة إلى قادة المملكة- الأديب المصري أحمد أمين، والشيخ مصطفى عبد الرازق، وحسن البنا، وطلعت حرب، وشكري القوتلي، وعبد الوهاب عزام، وعلي أحمد باكثير، وجميل الراوي، وغيرهم، وسجلوا انطباعاتهم عنها في سجل الزيارات الخاص بها، الذي ابتدع فكرته أحمد الفيض آبادي، وكتب له عنواناً بتوقيع نصه: «ليكون له تذكاراً ولعقبه استبصاراً».
سابعاً: كان من الأهداف التي أرادها السيد أحمد الفيض آبادي من وراء إنشاء المدرسة، كفالة أيتام المدينة المنورة، وينصُّ الاسم الرسمي بصك الوقف على هذه الغاية، وقد اهتم بهذا الفعل الاجتماعي والأخلاقي، استشعاراً منه لحال هذه الفئة «فشرع في عمارة ملجأ لإيواء اليتامى المنضمين إلى مدرسته ولكنه مات قبل إكمالها، فأنجز خلَفَه تلك العمارة ووسَّعها، وأضاف إليها قطعة كبيرة من الأرض، ثم افتتح هذا الملجأ في شهر شعبان سنة 1364هـ»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])، حيث لم تتوقف حركة التوسع في المدرسة وملحقاتها؛ بل واصل المؤسس الثاني حركة التطوير والبناء وفاءً لتطلعات سلفه الفيض آبادي.
كما عُنيَ السيد حبيب بافتتاح فرعين للمدرسة، أحدهما في قباء، والآخر في العيون بالقرب من جبل أحد([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])، ومضى في تحقيق تطلعات سلفه، وأضاف بخبرته ما تقتضيه متغيرات الأحوال، ومستجدات الظروف.
ثامناً: نصَّ الفيض آبادي في صك الوقف على منهج مدرسته ومجال اختصاصها، ومن ذلك أن المدرسة «معنية بجميع ما يلزم ويُستحسن تعليمه، من العلوم النقلية والعقلية والفنون والصناعية»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وكان الفيض آبادي يدرك عن قناعة وإيمان أهمية الفرع الصناعي بالمدرسة، وما ينطوي تحت هذا الفرع من مهارات مهنية وحرفية، تساعد على احتواء مواهب الطلاب وقدراتهم، ليسهموا في خدمة مجتمعهم ويسدوا بعض حاجته من الحرف والصناعات، وفقاً لما يتطلبه واقعهم المعيشي. فكانت المدرسة مرتبطة بالناس في كافة شئونهم، شريكة للمجتمع في جلِّ مناشطه وحراكه «وكان أول ما قام به من الأعمال تمرين الملتحقين من الغلمان على مزاولة الخياطة الآلية، وتلا ذلك تمرينهم على نسج الزرابي البسيطة الزخارف والأوضاع، ثم يتعلموا زخرفة الأخشاب ونجارتها وصناعة الأدوات المنزلية، ذات النقوش المتموجة، وتخريم ألواح الخشب الخفيفة والكتابة عليها بحروف منمقة بارزة، ويلي ذلك رسم المناظر الطبيعية والمآثر، وتقدَّم الفرع فصارت له شهرة مستفيضة في صناعة الكراسي والمكاتب والمناضد..»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وبذلك يكون الفرع الصناعي بذات أهمية فرع تعليم العلوم الشرعية والعربية النظرية، ويلقى اهتماماً كبيراً من المؤسس على النحو الذي يتحدث عنه الأنصاري آنفاً.
إذ اعتمدت المدرسة في سياستها التعليمية إيلاء هذا الفرع عنايتها لتصقل المهارات الحرفية للطلاب، ليتعلموا الصناعة والفنون المهارية وفق ذلك الوصف، ويتقنوا ما يشبه فن الجرافيك ويبدعوا في تكوين لوحاته، مع ما يتطلبه ذلك من ذوق جمالي، يُتاح لهم تجريب مهاراتهم وقدراتهم من خلال تطبيقه عملياً، تحقيقاً لاحتياجات الناس في مجتمع المدينة من هذه الصناعات. ومن هنا كان دور المدرسة ملبياً لحاجة الناس وفاعلاً في شراكته مع المجتمع وتحقيق متطلباته.
وكما كان دور المدرسة المرحلي في التأسيس للنهضة العلمية دوراً نوعياً، فإن دورها في المجال الصناعي قد قاربه في المخرجات والأهمية.
فشهد عهد الفيض آبادي تطوراً ملحوظاً في جانب الكفاءة المهارية لطلاب المدرسة في فرعها الصناعي «..فحينما توقف سير الواردات من الخارج من الآلات الفنية الدقيقة ذات الأهمية الضرورية كالأساطين الحديدية التي تضغط الهواء من الخارج ( البساتم )... ورافعات المياه (الطلمبات) وغير ذلك، فقد صنَّع الفرع تلك الآلات مستوفية شروط الفن، لكل من إدارة أعمال البرق والبريد العامة، وإدارة عين الوزيرية بجدة، ومكائن الأمراء في مدن الرياض وعنيزة وحائل وغيرها من مدن المملكة، وقد نهض طلاب الفرع المتخرجون منه بمهمة المشاركة في تسيير الآلات اللاسلكية بالحكومة العربية السعودية... ويقوم فريق من متخرجي هذا الفرع بإدارة مطبعة المدرسة، وتسيير مطحنتها اللتين تساعدان على تنمية من شأنها أن تقوم بسد بعض العجز في نفقاتها المستمرة في الاتساع. وبذلك بلغ المؤسس أوائل أهدافه وشاهد بعينيه ثمار مشروعه في ناحيتي العلم والعمل..»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
إنّ منجزاً بهذا الحجم وهذه الكيفية، يتجاوز معتاد الإنجاز المتوخى من مدرسة قامت أساساً وبجهد فردي على نشر العلم وكفالة الأيتام والسير بهم في دروب المعرفة، لتصبح مؤسسة علمية وثقافية وصناعية واجتماعية، بذلك القدر من الفاعلية ونوعية المخرجات، التي تصل إلى تصنيع أجهزة تتطلب وجود كيانات صناعية كبرى وتأهيلاً تخصصياً عالياً، ليقوم طلابها بخوض هذا المضمار، ويلبوا حاجة مدينتهم والمدن الأخرى منه، ويديرون مطبعة المدرسة ومطحنتها بتلك الجودة في الأداء، ويعوضون البلاد ما فقدته بسبب توقف الواردات الخارجية من المعدات الصناعية؛ إسهاماً في التنمية وتطبيقاً لمحصلة تعاضد قيمتي العلم والعمل التي تقوم عليها فلسفة المدرسة معرفياً، مما أكسبها تلاحماً عضوياً مع مجتمعها في المناحي العلمية والعملية الإنتاجية، لتصبح محوراً فاعلاً في الحراك الاجتماعي والتنموي والاقتصادي في المدينة وعلى مستوى الوطن بأكمله.
وإذا ما أردنا مقاربة ذلك من خلال تماسه واتصاله مع الحياة بالمدينة المنورة في تلك الحقبة، ووقائعها الثقافية والاجتماعية؛ فسنجد ذلك الاتصال متحققاً في الجانب الاجتماعي وبعده الإنساني، عبر عناية المدرسة بالطبقة المحرومة (الأيتام) والوافدين والمهاجرين من مختلف الجنسيات، وفي الجانب العلمي متمثلاً في نوعية المقررات الدراسية والسياسة التعليمية، وفي الجانب الصناعي الذي عرضنا إلى نماذجه ومخرجاته آنفاً.
تاسعاً : بالإضافة إلى ما قدمناه من أمثلة شراكة مدرسة العلوم الشرعية في مناحي حياة الناس، وتلمس حاجات المجتمع علمياً وتعليمياً وثقافياً وتنموياً وتلبيتها، فإن المدرسة قد مارست مشاركة أخرى في قضايا الأمة الكبرى، عبر مثال يعبر عن موقف وطني مسئول لهذه المدرسة، وهو ما يماثل في عصرنا الحاضر دور النقابات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني، ويتمثل ذلك في البرقية التي رفعتها المدرسة إلى نائب جلالة الملك في ذلك الوقت، ونصها: «صاحب السمو الملكي النائب العام الأفخم: إن إدارة مدرسة العلوم الشرعية وجميع موظفيها وتلاميذها يرفضون القرار المتخذ في تقسيم فلسطين كلياً، لما فيه من الإضرار والمس بكرامة المسلمين عامة والعرب خاصة، ولأن أرض فلسطين من الأراضي المقدسة لدى عموم المسلمين، وفيها المسجد الأقصى، وهو المسجد المأذون بشد الرحال إليه؛ لا نرضى بالقرار الصادر، ولا يرضى به أحد من المسلمين، فعليه نسترحم رفع معروضنا إلى جلالة الملك -أيده الله تعالى- لإجراء اللازم نحو رفض القرار المذكور.
مؤسس مدرسة العلوم الشرعية ومديرها
السيد أحمد فيض آبادي »([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وإذا كانت المدرسة ومؤسسها غير معنيين بالشأن السياسي عامة؛ فإن هذه البرقية تشير إلى إدراك المدرسة بوصفها كياناً علمياً ومعرفياً ومؤسسها لقضايا الأمة الكبرى، وتلمس ضمير الأمة وأوجاعها، ومشاركتها في مصائبها وأحوالها، بمعنى أن المدرسة لم تكن بمعزل عما يجري في محيطها العربي والإسلامي، ومن ثم كانت تعي دورها الفكري في خضم المتغيرات التي تشهدها الأمة، ولاسيما قضية فلسطين التي كانت منذ ذلك الوقت القضية الجوهرية في مهب صراع الأمم، وقد عبرت المدرسة عن ذلك الدور الجوهري رمزياً بهذه البرقية التي تعكس موقفها من الأحداث السياسية؛ فتحدثت باسم طلابها وموظفيها جميعاً ورفضهم لقرار التقسيم.
ومن دلالات ذلك الموقف ربط المدرسة وأجوائها العلمية والتربوية وفضائها القيمي بواقع الأمة ومحيطها الكبير وقضاياها المصيرية.
عاشراً : بالنظر إلى الكادر التعليمي في المدرسة في فترات متباينة من مراحل نشأتها إلى نهاية العقد السادس من القرن الهجري الرابع عشر تقريباً، نجد فيه ما يشير إلى وجود أدوار أصيلة لطبقات ثقافية واجتماعية وتشكيلات عرقية متباينة، يجمعها الإخلاص للهدف الذي رسمه المؤسس، فجلّ تلك الطبقات يعدَّون من رواد الحركة التعليمية والأدبية والثقافية في المملكة، فثمة الشيخ محمد الطيب الأنصاري، وأحمد رضا حوحو، وعبد الرحمن عثمان، والأمين الأزمرلي، وعمر بري، ومحمد سلطان نمنكاني، وعمار مغربي، وعبد القدوس الأنصاري، وأحمد التونسي، وعبد الحميد عنبر، ومحمد مختار الشنقيطي، وعبد العزيز إدريس هاشم، وعبد الحق نقشبندي، وغيرهم.([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
مما أسهم في جودة مخرجات المدرسة من الطلاب، فأغلب المدرسين كانوا طلاباً في المدرسة استقام عماد بنائهم العلمي وتأسيسهم المعرفي من خلال مناهجها الدراسية، والقيم التي كانت تحكم وتوجه مدرسيها، وقت كان التعليم رسالة، بالبعد الكامل لهذه الرسالة وشروطها ،حيث يصف عبد القدوس الأنصاري مدرسي العلوم الشرعية بأنهم «..يجمعون إلى الحصافة العلمية، حصافة أخرى تستهدف حسن التلقين وإجادة التثقيف في بساطة ويسر وإتقان، وذلك بمخاطبة العقل وحسن توجيهه إلى البحث القويم والتفكير الرشيد».([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
ولعل من يتأمل سير الأدباء المدنيين الرواد، يلحظ أن أغلبهم قد تلقى تعليمه في مدرسة العلوم الشرعية بين يدي تلك العقول النيرة، وعلى ضوء تلك الأصول المعرفية الرصينة؛ مما انعكس على صياغة شخصياتهم الثقافية، ومواهبهم الأدبية، وتجلَّى في إصداراتهم ومؤلفاتهم المتميزة.
ولم تتوقف تطلعات المؤسس وإرادة سياسته الإدارية، عند إعداد الطلبة وتأهيلهم، لينظموا إلى الكادر التدريسي في العلوم الشرعية، بل أسهم في ابتعاثهم إلى خارج المدينة لإكمال دراستهم، وكان ممن كفل ابتعاثه إلى خارج المدينة، الأستاذ عبد الحق نقشبندي الذي يقول:
«..وفي عام 1342هـ سافرت إلى الهند لطلب العلم مبتعثاً من قبل مربينا المرحوم السيد أحمد الفيض أبادي. وبعد أن نلت الشهادة العالية من مدرسة العلوم العالية، رجعت للمدينة لأراها تحت الحكم السعودي. وقد تبدَّل الحال إلى أحسن مما مضى، فعينت مدرساً بمدرسة العلوم الشرعية التي أسسها السيد أحمد المذكور عام 1341هـ باسم مدرسة العلوم الشرعية»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]) .
ومن هنا نتبين تعدد الأدوار التي بذلها الفيض آبادي في سبيل إعداد الطلاب والمدرسين وتأهيلهم ليسهموا في إغناء التخصصات التي ضمتها المدرسة، وتمكيناً لدورهم في تحقيق أهداف هذه المؤسسة العلمية الرائدة.

v خاتمـة:
لقد أنشأ الفيض آبادي مدرسة العلوم الشرعية في حمأة متغيرات سياسية صعبة، وتحت وطأة ظروف شاقة،و كان عميق الإيمان بهدفه النبيل من وراء إنشائها شديد الإخلاص له، فرسم لها إستراتيجية جادة احتوى من خلالها الطاقات العلمية والأدبية المتميزة وأطياف النسيج المجتمعي بالمدينة، وصقلها معرفياً وقيمياً، فآتت أكلها على ذلك المثال الرصين، والمخرج القيِّم؛ مما يخوِّل لنا أن الاعتداد بدور هذه المدرسة الفاعل في تشكيل طبقة من النخب الثقافية، أسهمت في مرحلة النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري إلى نهاية السبعينيات منه، في تكوين الفضاء الثقافي والعلمي بالمدينة المنورة، وتغذية مساراته بتلك النماذج من العلماء والقضاة والأدباء والحرفيين، الذين كان لهم تأثير عظيم في تأسيس اللبنات الأولى للنهضة العلمية في هذه المدينة الطاهرة.
¯¯¯
v مدخل:
لا تقدم هذه المقاربة صورة متكاملة عن موضوعها أو تدعي الإلمام التام به، كما أن مضامينها لا تقدم تاريخاً بالمعنى الاصطلاحي لهذا العلم، لظاهرة الغناء والموسيقى في المدينة المنورة، ولا يسعها تقصي مراحل الظاهرة بشكل دقيق ومنتظم، وفقاً لإجراءات الرصد التاريخي وسياقاته وضوابطه.
وقد كان شُحُّ المصادر المعنية بهذا النوع من الفنون سبباً في أن تتخذ من إيجاز الحديث عن موضوعها والإشارة إلى أظهر تجلياته مسلكاً لها في محاولة تقديم عرض موجز عن الظاهرة في بيئة المدينة خلال المائة عام الماضية، وأبرز مظاهرها ورموزها.
وجدير بمن يتصدى لمثل هذا الموضوع، أن يكون باحثاً متخصصا في مثل هذا المساق من الفنون وهذا المجال من المعرفة، وهو ما لا أملكه، لكنني آمل أن يكون في هذه المقاربة، ما يحرك إرادة الباحثين المتخصصين لإعطاء الموضوع ما يستحقه من عناية واهتمام.
v توطئة:
يقول شوقي ضيف: «.. وكان فقيه المدينة مالك بن أنس يتغنى، وكان قاضي المدينة ابن حنطب يتغنى، وكان والي المدينة عمر بن عبد العزيز يتغنَّى، ويظن الإنسان أنه لم يبق في المدينة أحد إلا وكان يتغنَّى، فإن لم يتغنَّ كان يستمع إلى الغناء ويُعجَبُ به».([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
ويقول: «.. واشتُهِر في المدينة نادي جميلة أو كما يقولون دارها التي خرَّجت مئات المغنين والمغنيات»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وقد عُنيَ شوقي ضيف - إلى جانب طه حسين([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])، ونجيب البهبيتي([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]) في دراسة هذه الظاهرة، التي عُرف بها المجتمع المدني، منذ عهود طويلة، ولاسيما في العصر الأموي، ومابعده، وفي النتيجة التي انتهوا إليها؛ تأصيل وإثبات لوقائعها، واستعراض لتمثلاتها، ودراسة لمظاهرها ومراحلها ، عبر الحقب التاريخية التي كانت مُحوَّراً
زمنياً لمجال تناولاتهم([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])، مستندين إلى الأخبار والروايات في أمهات كتب تاريخ الأدب العربي، والموسوعات الأدبية، التي حققت ظهور الغناء وأنواعه والموسيقى وأدواتها في مجتمع المدينة في ذلك الوقت، في إطار تناولهما للشعر والأدب وقضاياهما. ويعنينا من التوطئة بنزرٍ يسيرٍ من مقولات المعاصرين منهم، وصل مقاربتنا لتاريخ الظاهرة في العصر الحديث بما أشاروا إليه من مظاهرها في العصور التي تناولوها، مستظهرين تشكلات وأنماط هذه الظاهرة الثقافية/ الفنية، من بدايات العقد الثالث من القرن الرابع عشر الهجري - تقريباً- التي يمكن أن تُعدّ معطيات أو مقدّمات أولى لمظاهر الحركة الغنائية والموسيقية في المدينة اليوم.
وللإبانة عن ذلك والإفصاح عن مظانه، سنحاول وصل الإشارات التي اطلعنا عليها في مذكرات وسير الأدباء ومقولاتهم، بما وعيناه مباشرة أو مشافهة من المهتمين بهذه الحركة في المدينة المنورة.
v الغناء/المظاهر الأولى:
إذا ما كانت مقولتا شوقي ضيف -اللتان صدَّرنا بهما هذه المقاربة- تصل واقع الحركة بالمدينة المنورة بجذورها في تاريخ هذه المدينة ووجدان إنسانها في حقب مضت؛ فلأنّ العادات الاجتماعية والتقاليد والطقوس الثقافية والفنية، تتمايز وتتراكم وتتابع عبر المراحل الزمنية، وتسم المتغيرات التاريخية كل طابع أو تقليد ثقافي بسمات تفرضها ظروف كل مرحلة، انطلاقاً من جذورها الأولى وجوهر تمثلها الأصيل.
والغناء بحسب ذلك، وبوصفه ممارسة ثقافية تعكس الحاجة الإنسانية الوجدانية، وتعبر النفس الإنسانية من خلاله عن أشواقها وتباريحها ومواجدها، يكون كذلك معبِّراً عن سمات وعناصر تتمايز فيها ثقافات وفنون الشعوب وموروثاتها، وينتمي إلى حقل الأدب بنسقيه «.. فالأدب الشعبي الشفهي العامي والأدب الفصيح المكتوب، هما مرفآن على بحر الحضارة العربية، تدفع أمواجه سيرة التاريخ وحركة المجتمع»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وهما المجال الثقافي الذي يمدّ الغناء بمكونه الرئيس: النص. ومن ثم يطبعهما الغناء بمكوناته العضوية وطابعه الأدائي ويحيلهما إلى شكل نوعي في مستويي التشكُّل والتلقي.
وسوف نستصحب في هذه المقاربة مقولات بعض أدباء المدينة المنورة الذي عاصروا تجليات ظاهرة مجالس السمر والغناء لإقرار وجود هذه الممارسة، والكشف عن مظاهرها، ومنهم الأستاذ عبد الحق نقشبندي (1320-1402هـ) الذي يقول: «..فكنا نتلصص في بعض الليالي لمجالس السمر التي كانت تعقد في مجلس الشريف شحاذ قائم مقام المدينة يومئذ، وفي مجلس أخيه الشريف ناصر بن علي بالكشك الكبير بمقعد بني حسين، ومجلس الشيخ عمر كردي بدارهم بالمناخة، أما ما كان يجري من السمر في تلك المجالس، فقد كان تبادل الأحاديث وأخبار البلد وأسعار الحاجيات، وللشباب – قرب تلك المجالس – مجالس خاصة عن كبارهم، يلعبون الشطرنج أو الداما أو الورق أو الكنجفه، وبعض تلك المجالس كانت لا تخلو من آلات الطرب والغناء حيث كان مباحاً، كما كنا نشترك في مجالس الذكر والموالد»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وبعد سرد بعض ما يدور في تلك المجالس بالمدينة المنورة في العقد الخامس وبدايات السادس من القرن الرابع عشر الهجري. يستعرض النقشبندي مجالس أخرى كان يجري فيها ما يجري في المجالس السابقة.
وبعد انضمام المدينة للحكم السعودي يقول النقشبندي: « إلا أن أندية الطرب والغناء أصبحت ممنوعة، كما أن مجالس الأذكار والموالد منعت أيضاً لمخالفتها لمذهب السلف الصالح، ولما كان فيها من البدع المنكرة»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ومن ثم فإن هذه المقالة لأحد أدباء المدينة الرواد تحقق وجود مجالس السمر، التي يمثل الغناء وآلات الطرب مكوناً من مكوناتها خلال تلك الفترة التاريخية.
ويتحدث أحد معاصري النقشبندي، وهو الأستاذ عثمان حافظ (1328-1413هـ) عن ذلك بقوله: « كانت مجالس الأدباء والأدب، كلها أدب وشعر وفكاهة ومرح وطرب »([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]). وهو هنا يؤكد ما ذكره النقشبندي، في اشتمال مجالس السمر والأدب على الطرب والغناء، وهما يعبران عن ذلك بما يوحي بأن الغناء والطرب كانا تقليداً اعتيادياً لا تخلو منه مجالس أدباء المدينة.
أما الدكتور محمد العيد الخطراوي فعقد باباً في كتابه (أسرة الوادي المبارك في الميزان) بعنوان: «الأسرة والنشاط الموسيقي»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]) وفيه يتحدث عن مجالس الطرب والغناء وكيفية تشكلها والمبرزين فيها واعياً لما قد يواجهه حديثه عن هذا الجانب من ممانعة، وما يرتبط به من حساسيات معينة، ولذلك فإنه يفتتحه بحديث جابر رضي الله عنه «قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: أهديتم الجارية إلى بيتها؟ قالت: نعم. قال: فهلا بعثتم معها من يغنيهم يقول: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم، فإن الأنصار قوم فيهم غزل. (رواه أحمد والبزار). وليس هنا مجال لرفض أو قبول، بل هو تقرير واقع ماثل لا غير »([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ونحن هنا نسير على خُطَا أستاذنا الخطراوي، إذ لسنا في وارد إقرار، أو نفي، بل تحرير لواقع ماثل.
أما الشيخ علي الطنطاوي الذي زار المدينة المنورة في عام 1355هـ، فقد لفت انتباهه منظر المدنيين في أحد المقاهي على ضفاف وادي العقيق «وقد جلس فيها المدنيون حلقاً حول سماورات الشاي البراقة العالية يغنون ويطربون ما سمحت لهم الحكومة أن يغنوا ويطربوا»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]حيث يصف وقائع شاهدها في الفترة الزمنية نفسها التي سبق أن تحدث عنها النقشبندي.
وهو ما يؤكد طبيعة مظاهر الطرب والغناء التي كانت تشهدها المدينة في تلك الفترة، وفقاً لما قاله النقشبندي وحافظ والخطراوي، وبحسب ما سيلي تأكيده في نصوص أخرى سنعرض لها لاحقاً.
وسنبدأ بأول مظاهر الغناء، وأكثرها شيوعاً في المدينة وغيرها من حواضر الحجاز وهو (المزمار) اللون الأكثر تعاطياً وانتشاراً وانتماءً إلى محيطه الإقليمي والثقافي.
v المزمار:
لا تنطوي هيئة أداء هذه اللعبة/ الفن، وشكل ممارستها على ما يقتضيه اسمها «المزمار» من دلالة، فضلاً عن مراوحة هيئة أدائها بين أن تكون رياضة تتطلب لياقة الجسم وخفة الحركة وحيويتها وانتظامها، وبين أن تكون ضمن النوع الفني الأدائي والإيقاعي الذي يتطلبه التصنيف، من حيث كونها تمارس بالضرب على الطبل أو ما يسميه أهلها «العدَّة» وهي الآلات التي تشمل «القطاع» وهو إطار خشبي دائري مشدود عليه الجلد، ويضرب عليه العازف بيديه، و«النقرزان» وهو الطبل المجوف من الصفيح، ويُضرب عليه بعصاوين، أو «المرد» وهو الدف كبير الحجم، ويضرب عليه باليدين.
والمزمار لعبة تُحيا بها الأفراح والمناسبات البهيجة، وهو كذلك ميدان للنزال بين أبناء الحارات، لإثبات الفتوة والإقدام والشجاعة. ويقف كل فريق أمام الآخر، في حضور المتفرجين وعادة ما يفتتح بما يسمى «الزومال» وهو المغنى، أو (القول)، بعبارات مثل:
حبا حبا باللي جا

يا مرحبـا باللي جا..

دلالة على الترحيب والدعوة والاستعداد للنزال، ليرد الفريق الآخر بما يشير إلى الاستجابة الاستعداد لهذا النزال، مثل:
وحطبنا من درب السيل

وحطبنا من درب السيل..

وتتم المبارزة بين عنصر أو أكثر من كلا الفريقين بالعصا، أو ما يُسمَّى في أدبيات اللعبة «الشون» مصحوبةً بالضرب على «العدة» الآلات التي سبق ذكرها وفق إيقاع ترددي وتنغيمي معين، تتناغم فيه حركة المبارزة مع إيقاع الآلات.
ولأن المزمار تقليد فلكلوري شعبي، فقد شاع في حواضر الحجاز، ومنها المدينة المنورة وسجَّل بعض أدباء المدينة في سيرهم وقائع هذه اللعبة وطريقة ممارستها، ضمن ما يقتضيه سياق السيرة من ذكر للمُشاهد والمُعاش في مجتمع الكاتب، يقول الدكتور عاصم حمدان: «بعضهم يعتلي شجر الأثل ليقتطع منها الأخشاب التي تصلح أنه تكون وقوداً للنار، أو الأخذ بالتعبير البلدي «يدمّ» والبقية يخرجون من الصف على نسق واحد، وهو يبرزون قدرتهم على التلويح بالعصا... والجبال من حولهم تردد صدى الزومال المعروف:
من دار سليمان جينا

يا منجي تنجينا([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])

ومن تقاليد المزمار إشعال النار وسط المشهد، الذي يصطف فيه الفريقان، ويخرج المتبارزون بالعصي على وقع إيقاعات الطبل وترديد الزومال، الذي يتضمن ما يشبه الحوار الشعري (الإلقاء والجواب)، وسط حضور من المشاهدين والمشجعين من الطرفين، وهو مشهد يبرز فيه شباب الحارات وفتواتها براعتهم في هذا الأداء، في نزال يحقق معاني القوة والفتوَّة، ويشير إلى تفوق فريق على آخر، ومن مقاطع الزومال المتداولة التي تُستنهض فيها حماسة أبناء الحارة، قولهم:
غريب ولا لي جماعه

في وسط بيشة وداعة

تكفون ياأهل الشجاعة

غريب ولا لي جماعه([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])

أما الأستاذ المؤرخ إبراهيم العياشي (1329-1400هـ) فيصف من يؤدون لعبة المزمار بـ(السوقة)، ويعرض لمشهد أداء هذه اللعبة بقوله:
« يتواعد بعض السوقة من رجال الأعمال غالباً، وقد يشاركهم بعض الأهالي، هذا على اللعب بالمزمار، ويخرج من أراد الفرجة، توقد النار على أحطابها، ويتجمع القوم في حلقة وخلفها حلقات، ويضرب الطبل، وينعق المزمار، فيرقص من ينزل إلى الحلبة على نغمات الطبل والمزمار، حول الموقد الملتهب، وهو يلعب بعصاه الشومية، وكأنه يقول: هل من مبارز؟ فيبرز له آخر، ويتجاولان ويتصاولان بالشومية، لعبة جميلة أشبه بالسيف والدرقة، لولا ما فيها من تحطيم وإصابات ترجع بالمتبارزين وفيهما الدماء، وبعدها يا للثارات، يا لطيف، ولله الحمد اليوم لا قشاع ولا مزمار»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ومن خلال هذا الوصف يبدو أن العياشي قد اتخذ موقفاً رافضاً لما ينتج عن المزمار من مخاطر وثارات، على الوصف الذي أورده وتقصاه عبر المشاهدة المباشرة، وهو لا ينسحب بالمطلق على كل مشاهد المزمار وظروف أدائه. وقد تكون حساسية تلقيه لهذا الفن غير مستجيبة لما ينطوي عليه من قيمة ما.. وغير مدركة لأهميته لدى من يُعنون به ويحرصون على أدائه.
ويشير الأستاذ محمد حسين زيدان(1325-1412هـ) إلى مارتبط بأداء المزمار من اعتقادات في الذهنية الشعبية لدى البعض بقوله: « وعند أولاد الحارة .. وأهل الوديان حول المدينة- فيتفنون المزمار من البوحي، وهو صانع الجذب والهستريا الراقصة، حيث يقيمون (سيدي علي البدري) و(الوزير) و(المزمار)، يعتقدون تصريف الجن بهذه الحفلات ، في حين أنهم يمرضون أنفسهم بهذه الأوهام ، هكذا كان ولكنه زال» .([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وتكاد تنسحب هذه الاعتقادات على بيئات كثيرة يرتبط مثل هذا الأداء لديها بهيئة طقسية معنية ، مرتبطة بما ذكره الزيدان ، غير أنها زالت في بيئة المدينة المنورة كما ذكر ، واستقام لتقليد المزمار طرائق أداء كانت خالية من تلك الاعتقادات ، وبسبب دوافعٍ ، ودواعٍ ذكرناها سابقا .
وفي مجتمع كان المزمار أحد تقاليده الفنية وموروثه الثقافي، نطالع كذلك نبذاً من سير أدباء بارزين من أبناء المدينة، حفلت مدوناتهم السيرية بذكر مظاهر أولى للغناء والموسيقى، بوصفها تقاليد ثقافية سائدة في بيئة المدينة المنورة، وفي سياق كشف الأنساق الاجتماعية وتشكلاتها، كما عاصروها وباشروها في حياتهم.
يقول الأستاذ محمد حسين زيدان:«..في الليل يجتمع الرجال وسط الحوش([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]). والنساء يجتمعن بعيداً عن الرجال، يتغنين بالرِّجيعي، يضربن الدفوف، طيران لا تُستورد، فهم يصنعونها. ومن الطرف الظريفة، أن شاعر المدينة وهو في مكان الرئاسة ومن زقاق جعفر، يخرج إلى الحوش، ومعه الأستاذ أحمد عابد الشاعر أيضاً، يخرجان سوياً يدخلان حوش السيد، يجلسان وحدهما بعيداً عن النساء، قريباً من الرجال، ليسمع الأفندي أنور الغناء، إنه ابن العقيق، عامل الوراثة فيه قوي، وسمع مرة مطلع الأغنية:
ياسيِّد يا للِّي ساقك يشبه الماويش أسوي؟ كيف يخرج الما من الما؟
فأطربه هذا المعنى »([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وفي ماذكره الزيدان، ما ينطوي على تحقيق حضور فنٍّ تعبيري كالغناء في صورته الأدائية التي ذكرها، وفي لونه الصنفي (الرجيعي) وهو ضرب على الدفوف من قبل النساء يصاحبه الرقص من قبلهن -بعيداً عن الرجال كما ذكر- وهو لون اشتهر في العديد من مدن الحجاز، ومحافظات الساحل الشمالي لشبه الجزيرة العربية، كما يفصح الكاتب عن بيت باللهجة العامية كمثال للأغاني الرائجة في ذلك الوقت، والزيدان يعود في تبرير تأثر صاحبه بالغناء، إلى ما حفل به تراث المدينة الأدبي من ذكر للغناء في وادي العقيق، وذلك في إشارته لعامل الوراثة، عادًّا رفيقه من سلالة أبناء العقيق، الذين يأسرهم الغناء، ويطربون له بحكم تواصلهم مع موروثهم الأدبي، والثقافي الشعبي.
وقد شهدت المدينة المنورة في ستينيات وسبعينيات القرن الرابع عشر الهجري، حركة موسيقية ناهضة وفق ما يذكره أبناؤها من الأدباء الذين أسلفنا الإشارة إلى نماذج من مقولاتهم في هذا الموضوع وفي تلك الحقبة.
وكانت تلك الحركة تتشكل وتنمو بشكل فردي أو جماعي أهلي حر، وبدوافع ذاتية شديدة القناعة بقيمة الفنّ وضرورته في الحياة، يقول الزيدان: «وفي المدينة كان هناك من يعرف النغم على أوسع وأشد من القباني، وسلامه حجازي، وزكريا أحمد، وعلي محمود، من أمثال: البناني، وكامل توفيق، وعبدالستار بخاري، ومحمد عبد السلام، ومحمود نعمان، وعبدالرزاق نجدي، وطالب توفيق، وعقيل توفيق، وحمزة حبش، وغيرهم هنا وهناك ممن كتموا غناءَهم فلا يُعرفون إلا عند حملة الأسرار، وكاتمي الأخبار»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ويفاخر الزيدان بالإمكانات الموسيقية الاحترافية التي يتوافر عليها هؤلاء، حيث يبزون في رأيه رموز هذا الفن في الوطن العربي ممن ذكرهم.
مما يؤكد أصالة الاهتمام في هذا الجانب بالمدينة في تلك الحقبة، ونبوغ المدنيين ممن ذكرهم الزيدان فيه، وقد وافى بشكل فعلي الجلوس إليهم والاستماع لهم، بذائقته الفنية وإحساسه الجمالي، ووعيه الذي لم يفته الإشارة إلى سلطة الكتمان على بروز واستمرار أولئك وغيرهم في الاهتمام بهذا الفن، ومردُّ ذلك وسببه، انبثاق اتجاهات ممانعة لانتشار هذا الفن ، ورافضة لجميع أشكال ممارسته، أو المجاهرة بالعناية به، غير أن المعنيين به لم يكونوا دائماً في حال استجابة أو امتثال لها.
ويذكر الأستاذ عزيز ضياء ( 1332-1418هـ ) في سيرته احتراف بعض النساء المدنيات الغناء، والعزف على آلة العود، فيقول مُسترجعاً سنِـيَّ طفولته: «..عزيزة أسعدية تلك الجميلة التي تعزف على العود، وتغني بصوتها الرقيق الجميل، وتستدنيني إلى جانبها، حيث أشترك في التصفيق... وربما الغناء أيضاً بصوت خفيض»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وهذه النبذ من سير المدنيين، توضح الظاهرة في سياقها الاجتماعي، كتقليد يعكس الطابع الثقافي للمجتمع، وقد باطنت سياق السيرة/ الاعتراف، تناغماً مع الصيرورة الاجتماعية وحراكها اليومي المعاش، وأخذت مكانتها في الوجدان الشعبي بتلك الصورة.
v الغناء والإنشاد، علاقة تناغم:
إذا ما كان ثمة علاقة نوعية بين الإنشاد والغناء، فإن العلاقة بينهما وبين الأذان، تتحقق بحكم مرجعية الصوت، الذي نعده - موضوعيّاً - معبراً يحقق جوهر هذه العناصر، من خلال شهرة مؤذني المسجد النبوي الشريف، في عهود قريبة خلت، الذين اشتهر بعضهم في أداء الإنشاد في ذكرى المولد النبوي([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
يقول الأستاذ حسن صيرفي ( 1336-1429هـ ): «.. وأذكر أن أغلب المنشدين الذين امتازوا بعذوبة الصوت، وحساسية الإلقاء، ومنهم مؤذنون بالمسجد النبوي الشريف، كعبد الرزاق نجدي، الذي كان صوته يسمع في منطقة آبار علي من المسجد النبوي الشريف بدون مكبرات صوت، وكذا أحمد نعمان، وحسين بخاري (والد عبد العزيز وعصام بخاري)، وإبراهيم نجدي، وعبد الستار بخاري، وحسين هاشم »([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
فالصوت هنا هو الحقل الموضوعي الذي ينتمي إليه الإنشاد والأذان، والبعد الجمالي والإيصالي في عذوبته وتوقيعاته، وتمايز نبراته ورناته، هو المقياس الذي يسبر به مستوى تميز الصوت بنمطيه الأدائيين: الأذان والإنشاد.
إن جذور ارتباط الأذان بمحافل الشعر والإنشاد عادة مدنية قديمة كرستها الثقافة التقليدية منذ ما قبل منتصف الفرن الثالث عشر الهجري، تتوارثها سلالات المؤذنين والمنشدين من الأسر المدنية المشهورة والمختصة بهذا الشأن.
يقول أحمد السمان مؤذن المسجد النبوي الشريف: «..إن والد جدي وجدي ووالدي هم من أئمة ومؤذني الحرم النبوي الشريف، ومن المشهورين بعذوبة أصواتهم وحلاوتها ، وكان البعض من الأدباء والشعراء القدامى يخصونهم بشعرهم الذي ينظمونه في مناسبات شتى ، وبطلب منهم أو بدون طلب لإنشاده في الحفلات المختلفة» ([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
فكانت عذوبة الصوت وإجادة فن الإلقاء هي المعوَّل عليه في إشهار الشعر والقدرة على إيصاله للتأثير في المتلقي، وكذلك اختيار شعراء تلك الفترة لهؤلاء المؤذنين الذين اشتهروا بعذوبة الصوت لإلقاء ذلك الشعر للإمكانات الصوتية التي يتوافرون عليها، ولما للتنغيم وجهارة الصوت وقوة النبرة وعذوبتها من سلطة تأثيرية على المتلقين.
ولأن أولئك القوم كانوا يدركون الأهمية الإضافية للإلقاء في توصيل المعاني الشعرية، حرصوا على انتقاء المؤذنين للقيام بذلك الدور لنوعية أصواتهم وإمكاناتها الإيصالية، وطاقاتها الجمالية .
يقول السمان: « .. كانت العادة المطردة آنذاك أن لكل فرد من ذوي الأصوات الحسنة شاعره الخاص به ، ينظم له قصائده الخاصة ، كما أن لكل أديب شاعر منشده الذي يذيع له شعره في مجالس السمر والأدب والأفراح وفي الحفلات الاجتماعية والدينية. كما أن كل أديب وشاعر يفتخر بمنشده ، ويشيد بصوته وألحانه وبإتقانه فنون الأنغام والأداء» ([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
ومن هنا وجد الشعر لدى المنشدين حاضناً ينقل النص إلى مستوى الإلقاء والأداء والنغم ، ويتبارى الشعراء في اختيار المنشدين المدركين لأسرار الإنشاد ومستويات الأصوات والأنغام وفنونها .
وكانت الطاقات والإمكانات الصوتية لهؤلاء المنشدين مجالاً يتمايزون به ويتغايرون في إتقانه.
وكان المدنيون بحسّهم الجمالي وذائقتهم الموسيقية يدركون تمايز أصوات المؤذنين والمنشدين، وكانت محافل الإنشاد الديني مشاهد يحضر فيها جوهر ذلك التمايز.
يقول الدكتور عاصم حمدان: «لا أعرف صوتاً من خارج دائرة المؤذنين كانت لديه القدرة على جذب الأسماع وإثارة الشجن في النفوس كصوت السيد حسين بن إدريس هاشم، كانت مجالس الإنشاد عامرة بالرجال، وهي مجالس تقوى وطهر، يدعى فيها الكبار وصغار السن يوجهونهم توجيهاً حميداً... وهناك سمعت السيد حسين هاشم ينشد الروائع من شعر المديح النبوي، وهو شعر يتغنى بمواطن المدينة المنورة».([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وإذا ما تجاوزت شهرة السيد حسين هاشم (1347-1399هـ) الكثير من المنشدين البارعين في المديح النبوي، فلأن تجربته صُقِلت في بيت عُرف باهتمامه بهذا الشأن من بيوت السادة آل هاشم بالمدينة «فقد تلقى أصول الإنشاد والمديح على يد والده السيد إدريس هاشم المعروف بإجادته لألوان التراث الحجازي، بمختلف أشكاله، من صهبة ودانه ومجس وحدري وبحري وغيرها من الأدوار التي ميَّزت المنطقة، وعُدَّت وجهاً من وجوه سياقها الحضاري ومعبرة عنه».([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وقد عنيت مؤسسات إذاعية في الوطن العربي، بأعمال حسين هاشم، كالإذاعة المصرية، والسورية، والكويتية، وسجَّلَتِ الإذاعة السعودية بعض أعماله، وفي عام 1398هـ صوَّرَ له التلفزيون السعودي (30) قصيدة دينية وبثَّ بعضاً منها، وقد كان لشعراء المدينة المنورة كالصيرفي ومحمد هاشم رشيد وعبد الرحمن رفه نصيب وافر من هذه القصائد.
على أن العلاقة بين الإنشاد والأذان والغناء، ليست قائمة باطراد، وليس ثمة تلازم شرطي بين هذه العناصر مجتمعة، أو بين اثنين منها دائماً. كما هو الشأن لدى حسين هاشم، الذي لم يكن مؤذّناً.
والمعوَّل عليه في هذا المجال هو الوعي بالأصول النظرية الموضوعية للمقامات، ونُظم الأداء الصوتي ومستوياته وألوانه، في الإنشاد والأذان والغناء، نظراً لما تقتضيه وحدة المصدر/الصوت وتطبيقه الأدائي من علاقة بين هذه الأنماط لدى من اشتهر به من منشدي ومؤذني وفناني المدينة المنورة.
وهو ما يتضح وفقاً لعاصم حمدان، من أن عبد الستار بخاري، أحد مؤذني المسجد النبوي الشريف، في السبعينيات والثمانينيات الهجرية من القرن الرابع عشر «كان يجيد أداء المقامات المرتبطة بالصوت، التي جمعت في قولهم: (بحمرٍ دُسُج) فحرف الباء، يشير إلى مقام البنجكا، والحاء للحراب، والبعض يقول إنها للحجاز، وهو نغم أصيل لا يجيده إلا القلة من المنشدين، والميم للمايه، والراء للرصد، والدال للدوكا، والسين للسيكا، والجيم للجاركه، ومقام البيات، مصطلح مرادف للحسيني وهو المصطلح المعروف في البيئة المحلية... وكان الريس عبد الستار بخاري، يجيد هذا كله وغيره »([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]) .
وبوسعنا تأمل مدى الوعي بتفاصيل الأصول الموسيقية وفقاً لعناصرها الاصطلاحية والموضوعية السابقة، والإلمام بمستويات أدائها ونظمها وتمايزاتها الدقيقة، لدى عبد الستار بخاري المؤذن، وغيره ممن برعوا في فقه المقامات الصوتية، أو الشأن الموسيقي من المدنيين، وكانت المدينة المنورة حينئذ حاضنة تلقي بإمكان العارفين من أهلها إدراك التمايز بين منشد وآخر، ومؤذن وغيره، ومقام دون مقام، لطبيعة ذائقة التلقي لديهم وحساسيتهم الجمالية، مما يعني قابلية تلك الحاضنة لمعرفة تمايزات الصوت وإيقاعاته ومقاماته، والإنشاد والأذان ومستوياتهما، متنبهين إلى أن الفضاء الديني الصرف كان إطاراً لهذه المعطيات والعناصر، كما كان الفضاء الاجتماعي والثقافي مشهداً خصباً لنمو وتطور الغناء والموسيقى وألوانها.
ويشير الزيدان إلى حركة مثاقفة وتبادل التأثير والتداخل بين أصوات المقامات والموسيقى الشرقية ، ويعرض إلى رحلتها التي تحقق حضورها في بيئة الحجاز/المدينة المنورة- فيما ذكره عاصم حمدان آنفاً – مفصلاً -الزيدان- في دلاله اصطلاحات المقامات الموسيقية الصوتية، بقوله: «هناك نغم (إذا جنَّ ليلك فارصدي) هو أساس السلَّم الفارسي، وتأسس عليه السلَّم التركي، إن نغم الرصد –كأساس- ليس بالصاد ، وإنما بالسين هكذا الرست (بالسين) يعني الأساس، ثم يأتي بعده نغم (دوكا) يعني صورتين (دو، تعني اثنين) ثم يأتي سيكا ، يعني ثلاثة أصوات فالتركيب الفارسي(سي) يعني ثلاثة ، و(كا) يعني صوتاً ، ويأتي بعده (البنجكا) يعني خمسة أصوات ، لأن الأرقام الفارسية هكذا: بك، دو، سي جهار ، بنج . وتفرعت من هذه الأسس أنغام أخرى لا أعرفها ، وإن كان أكثر من سبعين في المئة من شباب المدينة ، كانوا يعرفون هذا السلَّم حينذاك».([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وإدراكه لهذه التفاصيل، وحديثه عن شهرتها في مجتمع المدينة المنورة، وخصوصاً لدى الشباب – كما ذكر- تعكس مدى العناية بها وفهم مستوياتها لديهم، كما يدل على شيوع مثل هذا الثقافة وانتشارها حينذاك ، وعلى التبادل والتأثر في مجال المقامات الموسيقية بين حواضر الشرق.
v الغناء والموسيقى..التشكل والامتداد:
وعلى نحو ما طالعناه آنفاً من اهتمام بهذا الفن ونبوغ فيه ، ودراية بأصوله وتطبيقاته ، في المحافل والمشاهد المتنوعة التي ضمَّت روادَّه ومحبيه، يذهب الزيدان إلى الحديث عن العناية به في مجتمع المدينة ومجالسة الشباب للعارفين بأصوله وفنونه ، حيث يقول: «عمر عبدالسلام الذي كان يطرق الحديد طوال نهاره ، فهو حداد ، وفي مجالسه يتعلَّم الشباب منه الأنغام .. من هنا قلت إن الغناء في المدينة المنورة ، قد تأثر بالسلَّم التركي فما من بيت من هذه البيوت إلا وفيه آلة الطرب العود ، أو الكمان».([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وللخطراوي رأي يساند ما يقوله الزيدان، وقد تحدث الأول عن الحالة الثقافية في المدينة المنورة خلال فترة السبعينيات الهجرية وما بعدها من القرن الرابع عشر، نقلاً عن أحد المسرحيين بالمدينة المنورة حيث ذكر أن من بين ما تحتفل به الأحياء المدنيَّة في مواسم معينة الحفلات السنوية بقوله: « يقيم كل حي من الأحياء حفلاً سنوياً يقدم من خلاله العروض المسرحية، والفنون الشعبية، والموسيقى والغناء، وغيرها من الفقرات المنوعة. وقد كان هناك تنافس بين أحياء المدينة الاثني عشر على تقديم الأحسن والأفضل»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]) مما يعكس شيوع هذه الظاهرة في ذلك الوقت، والاتجاه الشعبي العام للاهتمام بها، قياساً على ما ذكره الزيدان ، والخطراوي، رحمهما الله تعالى، ولم يكن ذلك الاهتمام بمعزل عن تشجيع من الأهالي وحرص من سكان الأحياء وقاطنيها من المدنيين على ذلك.
حيث لم يكن القوم يأبهون بالغناء والموسيقى في فضلة أوقاتهم، ولم يكونوا يبددون فيها أوقات فراغهم، ولم يستنكفوا -كثيراً -إشهار علمهم بأصولها وطرائق أدائها وممارستها، حيث كانت من مكونات واقعهم الثقافي ومن فنون موروثهم، وعناصر بيئتهم الاجتماعية. وفي هذا الصدد يورد عاصم حمدان قول عبد الستار بخاري عن نفسه - في واقعة اقتضت هذا القول-: «إنني الأفضل بينهم - أي المؤذنين - ثقافة ومعرفة باللغة والموسيقى».([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
ولم تكن طبيعة الأحوال والظروف الاجتماعية والثقافية متاحة دائماً للحديث عن التفاضل والتمايز في هذا الشأن، كما مرَّ بنا. وكما تشير إليه مناسبة هذه المقولة لعبدالستار بخاري .
أما حسين هاشم الذي أسلفنا الإشارة إليه فقد أُشرب حبّ الموسيقى والاهتمام بها منذ طفولته وفي سن مبكرة، وساعده على ذلك ودفعه إليه تميز صوته، وأكب على حضور مجالس الإنشاء الديني، كما ساقه حسَّه المرهف على حضور مجالس الغناء، فألمَّ بالمقامات الموسيقية العربية، ولاسيما الحجازية. وأجاد أداء المواويل والمجسَّات، وأسس في حارة (الزرندي) فرقة موسيقية مصغرة، تتكون من مجموعة من عازفي بعض الآلات مثل الناي والقانون.
وقد ارتبط بالمبرزين في هذا المجال في الوطن العربي حيث «التقى بالسيدة أم كلثوم والمنشد سيد النقشبندي ومحمد عمران في القاهرة عام 1390هـ ودعته أم كلثوم لحضور إحدى حفلاتها هناك، وأعجب به الثلاثة، ثم إنها دعته للإقامة في مصر لاستثمار موهبته الفنّية...
كما التقت به في زيارتها للمدينة بعيد ذلك التاريخ في المدينة المنورة في قصر الأمير عبدالمحسن بن عبد العزيز -أمير المدينة آنذاك-رحمه الله-. كما التقى في داره في المدينة المنورة بمحمد الموجي، وعبد الحليم حافظ»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]) .
وتعبر هذه السيرة الفنية عن علو إسهام حسين هاشم في مجال الغناء ونبوغه فيه، وتقدير المبرزين في هذا المجال في العالم العربي لموهبته الفنية من جانب، ومن جانب آخر عن دوره في ترسيخ اسم المدينة واحتضانها لهذه الظاهرة. ومدى دأبه على صقل واستثمار طاقاته الفنية في هذا المضمار.
ومع هذه المكانة التي تبوأها حسين هاشم في عالم الغناء والأناشيد الدينية، فقد كانت الفترة التي عاش فيها، وشهدت إسهاماته ؛ فترة تراكم هذه الظاهرة وشيوعها.
ويصف حسن صيرفي فترة سابقة لذلك، بقوله: «عندما رجع الناس بعد الحرب([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]) أتوا بمجموعة أسطوانات عليها بعض الأدوار الموسيقية، حوالي (30) دوراً وكان الناس يحفظونها، ومع الحرب الأهلية انصرف الناس عن هذه الأشياء نظراً لضيق العيش وسوء الحال، على أن جلسات الطرب لم تعدم بشكل نهائي فيردد الناس بعض الأهازيج التي جاءوا بها من الشام بعد الحرب، واذكر منها قولهم:
هذي مقادير لمَّتنا

والشام شفنا بساتينه

وفي بدايات العهد الزاهر([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]) منعت آلات الغناء بأنواعها، حتى إن الناس كانوا يرددون الأهازيج بالضرب على صفيحة الكاز الفارغة... وبرع شخص من المدينة المنورة اسمه حسن سنبل في أداء الأوبرا، وفي الستينات كان الشقيقان عبد العزيز وحمزة شحاته قد بدأوا بالغناء على السمسمية كآلة سهلة الصنع، وأدوا بها بعض الأغاني، وعندما تقدمت بهم التجربة والممارسة بدأوا في الغناء بالعود».([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وكان عبد العزيز وحمزة شحاته، وحسين هاشم ورفاقهم من أول المبرزين في هذا المجال الذين شكلت عطاءاتهم البدايات الفعلية لازدهار الغناء بالمدينة وفق أصوله الفنية. وفي هذه الأجواء الحفية بالموسيقى وألوانها، كان ثمة إسنادات وحوافز تنهض بها، ودواع تقتضيها، وعن بعضها يقول الصيرفي: «وجهت لي دعوة لحضور مؤتمر الأدباء السعوديين الأول في مكة المكرمة([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]).
وكان من توصيات المؤتمر، الطلب من الشعراء كتابة بعض الأغاني للمنشدين في الإذاعة، وبعد عودتي إلى المدينة، فكرت في إحياء نغم كان قد اندثر، كنت سمعته وعمري ثلاثة عشر عاماً، سمعته يوم كنا نتهيأ للحج، وكانت والدتي وبعض قريباتي يرددنه، فكتبت على ذات اللحن:
سافروا وما ودعوا

سيبوني وراحوا

سيبوني للنوى

أنكوي بجراحو

وأول من غنَّاها عبد العزيز شحاته في المدينة، وقبل ثلاثين عاماً غنتها ابتسام لطفي في حفلة بالكويت، وذكرت أنها من كلماتي وألحاني».([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
ويشار إلى حسن صيرفي، بوصفه من أبرز المهتمين بالحركة الموسيقية بالمدينة المنورة، وذاكرة استوعبت نشأة هذه الحركة في عصره، وكان لنبوغه في معرفة أصول الموسيقى والمقامات وطرائق أدائها، وذائقته الجمالية، وتشجيعه وحدبه على المطربين، دورٌ في أن يكون محطاً لاهتمامهم، ومحجة يقصدونها، يقول:
«..كان يجتمع في منزلي مطربون، ومنشدون، وأدباء، منهم: محمد العامر الرميح، ومحمد هاشم رشيد، وبدأنا نكتب بعض الأناشيد، منها ما كتبته ولحنته وتم تسجيله، مثل أغنية أخذت شنَّةً ورنَّةً، وأذكر منها:
يا فاغية ياجميله

عطرتي كل الخميله

أبغى أقيل في ظلك

خمسين قيله وقيله

وغناها عبد العزيز شحاته، وسجَّلنا اثنتين وثلاثين أغنية ملحَّنة، كتبت منها ثمانية عشر أغنية».([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
لقد كانت البيوتات المدنية معنيةً بالموسيقى، وأحسب أنّ منتهى طموح المدنيين آنذاك، الوفاء لثقافتهم، وإحياء لياليهم بالأنس، ومطارحة سحر النغم وإيقاعات الكلام.
فإلى جانب منزل الصيرفي، كان منزل عبد القادر شولاق منتدىً يؤمه المغنون والعازفون، وصقلت فيه مواهب العديد من الفنانين البارزين، أمثال: محمد النشار، وعدنان خوج، وعمر كدرس، وعبد العزيز، وحمزة شحاتة، وعبد الستار بخاري.
وكذا كان منزل صالح طاهر، مرتاداً للفنانين من أبرزهم محمد علي سندي، التي تحفظ الذاكرة أغنيتيه الشهيرتين:
باس ورد الخد في وادي قبا

هبّ الصبا والسمر قد طال

و:على العقيق اجتمعنا

حنا وسود العيون

ما بال مجنون ليلى

قد جن بعض جنوني

وفيهما يظهر الانتماء للمكان، والتغني بمكونين من أبرز مكوناته هما: (قباء، والعقيق) التي طالما تغنى بهما الشعراء، وصدَّر المغنون للذاكرة الشعبية العديد من الأغاني التي تستظهر جمالياتهما، والأنس بهما.
كما كان منزل السادة الرفاعية منتدى للفنانين يحرصون على حضوره، يقول محمد النشار: «كنا نجتمع لدى السادة الرفاعية، في مزرعتهم المسمَّاة (الأخوين) ونسمر حتى الفجر، ويزورنا أحياناً فنانون من مكة وجدة، وكذلك كنا نجتمع في منزل الشربجي، في مدخل حوش كرباش، حيث كان يجتمع فيه كثير من الفنانين والمستمعين والجسِّيسة، أذكر منهم السيد ياسين هاشم، والسيد حسين هاشم والأستاذ محمد النجار.. لقد كانت هذه السهرات مفيدة جداً لكل فنان؛ لأن الجميع لم يدرس الموسيقى، بل كانت اجتهادات سماعية وتطبيقات عملية».([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وتشير مقولة النشار- وقبلها الأسماء التي كانت تؤم بيوتات المدينة المعروفة بوصفها منتديات غنائية- إلى أن ثمة صلة بين المبرزين في الغناء والمهتمين به من أبناء حواضر الحجاز، بحكم وحدة مورثهم الثقافي والفني، والتقارب الشديد بين حواضرهم في الألوان الموسيقية.
يقول الصيرفي في هذا السياق: «..سافرت إلى الطائف، وجلست في مقهى في برحة القزاز، وأتاني يوسف حكيم، وقال يوجد شخص يود مقابلتك. فقلت من هو ؟ فقال: طارق عبد الحكيم، فخرجت إليه، وسلم عليَّ واحتفى بي في منزله وأطلعني على بعض الآلات الموسيقية لديه، ومنها العود، والبيانو والنوتة الموسيقية، وبالمناسبة النوتة الموسيقية (علم) يمكن أن يعد صعباً على الفهم مع أنه عبارة عن كتابة النغم، أي لغة الموسيقى، المختلفة والمرتبة إيقاعياً، تماماً كاختلاف الكلام من لهجة إلى لهجة، أو من مستوى إيقاعي صوتي، إلى مستوى إيقاعي آخر».([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])
وبغض النظر عن مآل العلاقة بين الصيرفي والموسيقار عبد الحكيم، فهي تشير إلى وجود مشترك ما، بين رموز حواضر الحجاز من المهتمين بالحركة الموسيقية، وكانت طبيعة حديث الصيرفي قد قادته إلى إبراز معرفته بالأصول النظرية للموسيقى، من خلال تعريفه المبسط للمدونة الموسيقية (النوتة) ورموزها.
كما كان لاتصال الصيرفي بالأمير الشاعر بدر بن عبد المحسن، دور في إنشاء فرقة الفنون الشعبية بالمدينة المنورة، وقد خصَّص الصيرفي جزءاً من منزله ليكون مقراً لها.([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]) وملاذاً للفنانين، وقد قام بتجهيزه كي يمكنهم من ممارسة فنهم. وشهد ذلك المنزل مسامرات وليال وألحان وأصوات، في إطار العلاقة الأهلية والمجتمعية الحميمة بين أهل الفن ورموزه. وقد أفاد الصيرفي من هذه التجربة بقدر ما أعطاها ومنحها من رعايته، وحفظت له ذاكرة الفن على المستوى المحلي العديد من الأغنيات ذائعة الصيت مثل: «لالا يالخيزرانه» و«يالَخْضَري دلعوك أهلك» و«سافروا وما ودعوا»([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])، وغيرها.
كما غَنَّى السيد حسين هاشم قصيدة حسن صيرفي الشهيرة:
وقف الناس ينظرون مناري

كيف شعَّ الهدى على كل نجدِ

أنا خير البقاع كرَّمني الله

بخير الأنام في خير لحدِ


[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عبد القدوس الأنصاري، أحمد الفيض آبادي، مكتبة دار التراث،المدينة المنورة، ط2، 1410هـ - 1989م.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د.محمد العيد الخطراوي، مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة والموقع التاريخي الرائد، مكتبة دار التراث، المدينة المنورة، ط1، 1411هـ - 1990م.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عبد القدوس الأنصاري، ص9.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عبد القدوس الأنصاري، ص10.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عبد القدوس الأنصاري ، ص5.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص3.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) انظر : السابق، ص17-19.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) محمد حسين زيدان ، الأعمال الكاملة ، إصدارات إثنينية عبد المقصود خوجه ، ط1 ، 1426هـ ، 2005م ، 5/262 .

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) نفسه.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص18.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) انظر : د.محمد علي فهيم بيومي، الحركة العلمية في المدينة المنورة إبان القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي، دار القاهرة، مصر، ط1، 2007م، ص236 وما بعدها.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عبد القدوس الأنصاري، ص32.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، هامش الصفحة 35.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) انظر : محمد العيد الخطراوي، ص8.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عبد القدوس الأنصاري، ص32.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص33.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص44، كما وصفه بـ : رجل النهضة، ورجل الثقافة، انظر : ص70.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) ورد نص صك الوقف كاملاً في كتاب الخطراوي، ص22 -23.

([19]) انظر: سحر عبد الرحمن مفتي، أثر الوقف الإسلامي في الحياة العلمية بالمدينة المنورة، مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة، ط1، 1424هـ - 2003م، ص326.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) الخطراوي، ص17.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عبد القدوس الأنصاري، ص64-68.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) انظر : السابق.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) الخطراوي، ص682 – 691.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عبد القدوس الأنصاري، ص134-136.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) الخطراوي، ص34 – 35.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) انظر : السابق، ص36 – 39.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) انظر : السابق، ص41 – 42.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) يقول مؤرخ الحركة التعليمية بالمدينة المنورة والخبير التربوي الأستاذ ناجي الأنصاري:
إن السبب في كتابة التقارير باللغة الأوردية، يرجع إلى أن هذه التقارير كانت ترسل إلى الوجهاء والأثرياء الهنود في بلادهم، وتحصل المدرسة بموجب ذلك على إعانات مالية، وإسهامات بطباعة مقرراتها الدراسية هناك. وهو ما يتطلب تأكدهم من مخرجات المدرسة وانجازاتها مضبوطة ومنصوص عليها بدقة وتفصيل في تلك التقارير.
وقد زوَّدني الأستاذ الأنصاري بنماذج من المقررات الدراسة، لمدرسة العلوم الشرعية إبان نشأتها، أفدت منها في إعداد هذه الدراسة. ( لقاء مع الأستاذ/ ناجي الأنصاري يوم الخميس 15/5/1431هـ ).

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) الخطراوي، ص77-105، وقد أورد في هذه الصفحات التقارير كاملة.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص170 – 171.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص171- 172.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) انظر : السابق، ص392.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عبد القدوس الأنصاري، ص91.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) انظر : السابق.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) الخطراوي، ص22 – 23.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عبد القدوس الأنصاري، ص48 – 49.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص49 – 50.

([38]) مجلة المنهل، السنة الأولى، رجب، 1356هـ - 1937م، السنة الأولى، ج8، ص29.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) انظر : الخطراوي، ص490.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عبد القدوس الأنصاري، ص36.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عبد الحق بن عبد السلام النقشبندي، الأعمال الكاملة، كتاب الاثنينية (21) نشر : عبد المقصود خوجه، ط1، 1425هـ - 2005م، ص293، وانظر : المنهل عدد صفر/1392هـ، ص218.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د.شوقي ضيف، الشعر والغناء في المدينة ومكة في عصر بني أميه، دار الثقافة، بيروت، ط2، 1976م، ص65.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د.شوقي ضيف، التطور والتجديد في الشعر الأموي، دار المعارف،القاهرة، ط4، ص27.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) انظر: د.طه حسين، حديث الأربعاء، دار المعارف، القاهرة، ط12، 1976م، ص70.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) انظر: نجيب محمد البهبيتي، تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري، دار الفكر، القاهرة، ص120.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]*) كانت وما زالت هذه القضية محل جدل بين الباحثين المعاصرين بين مؤيد ومثبت لوجودها. وبين رافض نافٍ لها. ولكل من الفريقين أدلته وطريقة تعاطيه مع الأخبار والمرويات التاريخية حول هذا الموضوع. ومن الدراسات العلمية في ذلك دراسة الدكتور/عبد الله سالم الخلف وكانت بعنوان: ( مجتمع الحجاز في العصر الأموي بين الآثار الأدبية والمصادر التاريخية ) وقد ناقش أراء الباحثين السالف ذكرهم من أمثال طه حسين، ونجيب البهبيتي وشوقي ضيف، وغيرهم وفندها ,وتطرق إلى المرويات التاريخية والإخبارية التي اعتمدوا عليها وحللها بمنهجية ورؤية بحثية جادة.. نافياً أن يكون الأمر كما بدا لهم.
ونحن إذ نستصحب آراء أولئك الباحثين كخلفية نؤسس عليها موضوع هذه المقاربة، ونستعرض تمثلات هذه الظاهرة في المدينة المنورة، فلسنا في وارد قبول أو رفض رأي أياً من الفريقين.
كما أن استعراضنا لهذه الظاهرة في عصرنا الحاضر، ليس معنياً بالجدل الشرعي حولها. لأن ذلك ليس مجالنا؛ فهذه مقاربة أدبية نقدية محضة، ودراسة تبني عناصرها على مقولات مدونة وأراء موثقة علمياً وخط بحثي يقارب بين المقولات النصية، وتمثلاتها الواقعية.
كما أن بعض من استندنا إلى مقولاتهم في إثبات وجود هذه الظاهرة مثل العلامة الخطراوي يعون حساسية مقاربة مثل هذا الموضوع بالنظر إلى المقررات والتقاليد الاجتماعية السائدة. ونحن من كل ذلك في حلِّ. فحسبنا عرض إحدى الظواهر الثقافية في مجتمع.المدينة في العصر الحديث وفق مارصده حولها أعلام الأدباء والمؤرخين والباحثين,وبحسب ما خبرناه عن طبيعتها بشكل مباشر.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د.سعد الصويان، نحو تحديد مفهوم عربي للمأثور، محاولة أولية، الخطاب الثقافي، مجلة دورية محكمة، جمعية اللهجات والتراث الشعبي، جامعة الملك سعود، الرياض، العدد الأول، خريف 2006م، ص161.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عبد الحق النقشبندي، الأعمال الكاملة كتاب الإثنينية، نشر عبد المقصود خوجه، ط1، 1425هـ - 2005م، ص292-293.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عثمان حافظ، صور وذكريات عن المدينة المنورة، مطبوعات نادي المدينة المنورة الأدبي، ط1، 1403هـ 1983م، ص99.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د. محمد العيد الخطراوي، أسرة الوادي المبارك في الميزان، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، الرياض، ط1، 1426هـ ص317.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) المرجع السابق.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) علي الطنطاوي، من نفحات الحرم، دار الفكر، دمشق، 1400هـ - 1980م، ط1، ص27.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د. عاصم حمدان، ذكريات من الحصوة ملامح من ماضي المدينة المنورة، مطابع شركة المدينة للطباعة والنشر، جده، ط1، 1419هـ، ص25.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د. عاصم حمدان، رحلة الشوق في دروب العنبرية، مطبوعات نادي المدينة المنورة الأدبي، ط1، 1425هـ، ص28.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) إبراهيم علي العياشي، المدينة بين الماضي والحاضر، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، ط1، 1392هـ-1972م، صـ568.

([56]) محمد حسين زيدان ، ص46 .

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د. عاصم حمدان، رحلة الشوق في دروب العنبرية، مطبوعات نادي المدينة المنورة الأدبي، ط1، 1425هـ، ص28.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) الأحواش: مساحات صغيرة تحيط بها المباني من جميع الجهات مكونةً حصناً له مدخل واحد (بوابة) وهذه البوابة تغلق ليلاً بعد صلاة العشاء، ولا تفتح إلا بعد صلاة الفجر، مما يعطي لساكن الحوش الأمان والحماية المطلوبة، وكان في كل حوش حوالي 30-40 أسرة ( انظر: حاتم عمر طه، ملامح من فن العمارة في المدينة المنورة، المنهل، العدد 499، مج 54، الربيعان، 1413هـ، ص65 ).

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) محمد حسين زيدان، الأعمال الكاملة، إصدارات إثنينية عبد المقصود خوجه، ط1، 1426هـ 2005م، 5/129، بتصرف .

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) محمد حسين زيدان، ذكريات العهود الثلاثة، مطبعة ضياء، ط1، 1408هـ - 1988م، ص24.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عزيز ضياء، حياتي مع الجوع والحب والحرب، مطابع دار البلاد للطباعة والنشر، ط1، د.ت، 2/242.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) يحتفل بذكرى المولد النبوي الشريف في المدينة المنورة، من خلال تجمعات أهلية يتم إحياؤها بالذكر واستعراض السيرة النبوية، وتلاوة المدائح والأناشيد المعظمة لشأن الرسول الأكرم عليه صلوات الله وسلامه.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) أحمد إبراهيم السمان، نماذج وألوان من تراث بعض أدبائنا وشعرائنا في المدينة المنورة، نقحه وضبط شعره وصححه: محمد فايز حواصيلي، ط1، 1404هـ-1984م،ص4.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) أحمد السمان، ص4 .

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) محمد الدبيسي، حكاية حسن صيرفي سيرة ريادة..دراسة وشهادات، مطابع السروات، جده، ط1، 1429هـ - 2008م، ص56.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د. عاصم حمدان، ذكريات من الحصوة، ص25.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) محمود تراوري، السيد حسين النَّفس الأخير في حركة المدينة الفنية، مقال نشر في جريدة الوطن، العدد 2998، الأحد 16 ذو الحجة 1429هـ، 14 ديسمبر 2008م.

([68]) الزيدان ، ص43-44 .

([69]) محمد حسين زيدان ، ص46 .

([70]) أسرة الوادي المبارك ، ص311-312 .

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د. عاصم حمدان، ذكريات من الحصوة، ص16.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) علي فقندش، حسين هاشم.. اسم لا يسقط من ذاكرة تاريخ المدينة المنورة، مقال في جريدة عكاظ، العدد 16294، الخميس 3/5/1432هـ.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص23.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) الحرب العالمية الأولى، وقد اقتضت أحداثها، خروج أهل المدينة منها إبان الحكم العثماني – إلى الشام وتركيا في رحلة التهجير المعروفة بـ (سفر برلك).

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) يقصد العهد السعودي.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) محمد الدبيسي، ص52.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) عقد هذا المؤتمر في مكة المكرمة عام 1394هـ.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) محمد الدبيسي ,ص56.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص56.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) د. محمد العيد الخطراوي، أسرة الوادي المبارك في الميزان، مكتبة الملك عبد العزيز العامة، الرياض، ط1 1426هـ، ص319-320.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) محمد الدبيسي، ص55.

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا])) السابق، ص57.







 
من مواضيعي في المنتدى

0 مديرية المياه أشياب الأحياء من اختصاص أمانة المدينة المنورة
0 مدير تعليم المدينه سابقا يحاضر في جامعة طيبة
0 هوساوي أول لاعب سعودي يحقق بطولة أوروبية
0 الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تنظم مهرجان الثقافات والشعوب
0 تجديد حبس علاء وجمال مبارك للتحقيق معهما
0 مدير صحة المدينة يعتمد تغريم أحد المستشفيات الخاصه 280 ألف ريال
0 ترقيات وتعيينات لـ 55 عضو هيئة تدريس وموظفين بالجامعة الإسلامية
0 أهالي طيبة يستعيدون ذكريات الكارو وعيدية الأربعة قروش
0 ملتقى العمل التطوعي فى ينبع
0 سوري يهدد بني جلدته بأسواق النسيم بالرياض بساطور مدعيا أنه شبيحة‎
0 الشورى يدرس من جديد مناقشة بدل السكن
0 مدارس المدينة المنورة تحتفي بذكرى اليوم الوطني
0 الاتحاد المصري يتراجع عن تأجيل الدوري
0 دعوة 1874 متقدما ومتقدمة لاستكمال إجراءات الوظائف الإدارية
0 تعليم المدينة يعلّق على مقطع طالبات ابتدائية المائة ويؤكد على محاسبة المصوّرة
0 خادم الحرمين الشريفين يتصل هاتفياً بوالد الشهيد القحطاني معزياً ومواسياً

  رد مع اقتباس
قديم 11-15-2016, 02:23 PM   رقم المشاركة : 2
أبو فيصل

][ إدارة الموقع ][

 
الصورة الرمزية أبو فيصل








معلومات إضافية
  النقاط : 10
  المستوى : أبو فيصل is on a distinguished road
  الجنس :
  عدد الزيارات : 402769
  الحالة : أبو فيصل غير متواجد حالياً
 
 

معلومات العضو


!..My SmS ..!
 

شكرا لكم لقبولي بينكم


 

افتراضي رد: مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 8


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الاستاذ سعود عبدالغني
يعطيكم العافية
وشكراً لكم







 
من مواضيعي في المنتدى

0 حكمة جميلة للفائدة
0 رد: مشاركة مكررة !
0 متى تكون إنسان رائع
0 راجل داسته عربية
0 سجل التواصل لشهر ذو القعدة 1430هـ
0 أي من هذه تريد Any of these you want to
0 مكررر
0 اسعد الله مسائكم جميعاً بالخيرات والبركات
0 رد: رفع
0 أفضل الأعمال في أيام عشر ذي الحجة
0 معلومات ما عمرك ركزت فيها What information age in which focused
0 رد: صحة المدينة المنورة تمنح ثلاجة الموتى غرفتين إضافيتين وتنقل غرفة الطب الشرعي
0 مكررر
0 إذا تم كسر بيضة
0 رمضان كريم
0 رد: مشاركة مكررة

  رد مع اقتباس
قديم 11-15-2016, 02:31 PM   رقم المشاركة : 3
سعودعبدالغني
مؤسس ومدير عام المنتدى
 
الصورة الرمزية سعودعبدالغني









معلومات إضافية
  النقاط : 83
  المستوى : سعودعبدالغني تم تعطيل التقييم
  الجنس :
  عدد الزيارات : 31930929
  الحالة : سعودعبدالغني غير متواجد حالياً
 
 

معلومات العضو


مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي
جنسيتي
!..My SmS ..!
 

هذا المُنتدى للجَمِيع فشرفونا بتواجدكم


 

افتراضي رد: مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 8


أخي الفاضل أ.أبو فيصل
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
شرفني مروركم وأسعدتني ردودكم على موضوعي
.. تقبل خالص إحترامي وتقديري.






 
من مواضيعي في المنتدى

0 برشلونة يتعادل مع الريال ويصل لنهائي أبطال أوروبا
0 معرض لبيت فنانات المدينة
0 المؤشر يواصل ارتفاعه ليومه الثالث متخطيًا حاجز 7500 نقطة
0 الشبيلي يقدم درس أبناؤنا والإبداع بمسجد المهاجرين بالخالدية
0 سوني تلمح إلى إطلاق ساعة ذكية جديدة الأسبوع القادم
0 ضبط عصابة لتزيّف العملات وتزوّر المستندات والأختام بالمدينة المنورة
0 الفيصل يسلم بردة عكاظ للشاعر جرابا الثلاثاء المقبل
0 بهدفي العقيد الأهلي بطل ينتظر التأكيد
0 علامة الغرب يوسف بن عبدالبر Yousef Bin Abdalber
0 مدني المدينة الأمطار أغلقت بعض الطرق..وخلفت أضرارا بأحد المتنزهات
0 مدرب الأهلي يطلب مدافعًا أجنبيًا ويراقب مهاجمي جميل
0 أمانة جدة تطرح فرص لإستثمار شواطئ الليث والقنفذة
0 مسابقة معمارية لتصميم مقر هيئة المهندسين
0 بالتعادل العروبة يحافظ على صدارة ركاء
0 محافظة رابغ
0 وزارة الداخلية تنفذ حكم القتل قصاصًا في قاتل الربيعي بالطائف

  رد مع اقتباس
إضافة رد


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه للموضوع: مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 8
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 7 سعودعبدالغني أخبار ومتابعات أدبية وثقافية 2 11-15-2016 02:31 PM
مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 6 سعودعبدالغني أخبار ومتابعات أدبية وثقافية 2 11-15-2016 02:31 PM
مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 5 سعودعبدالغني أخبار ومتابعات أدبية وثقافية 2 11-15-2016 02:30 PM
مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 4 سعودعبدالغني أخبار ومتابعات أدبية وثقافية 2 11-15-2016 02:30 PM
مدار الكتابة المدينة المنورة للدكتور محمد إبراهيم الدبيسي جزء 3 سعودعبدالغني أخبار ومتابعات أدبية وثقافية 2 11-15-2016 02:30 PM


الساعة الآن 06:59 AM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. منتديات
°¦|°• مصرح من وزارة الثقافة والإعلام°¦|°•
اختصار الروابط
..::.. رســمـ كــمـ للتصميمـ ..::..